تقدّم الدراسة الصادرة عن معهد جيت ستون زاوية حادة لفهم الحرب السودانية، إذ ترى أن أي محاولة لوقف القتال أو بناء سلام مستدام ستظل محكومة بالفشل ما لم تُكسر البنية العميقة التي رسّخها تنظيم الإخوان داخل الجيش والسلطة القائمة في بورتسودان.
هذا الطرح، الذي يستند إلى قراءة سياسية وأمنية ممتدة لعقود، يعيد فتح ملف الدور الأيديولوجي للتنظيم في تشكيل الدولة السودانية، ويضع الحرب الحالية في سياق أوسع من مجرد صراع بين قوتين مسلحتين.
وتستند الدراسة إلى تحذير واضح: أن تجاهل هذا الدور يعيد إنتاج أخطاء تسعينيات القرن الماضي، حين تحوّل السودان إلى مركز لشبكات التطرف العابر للحدود، مستضيفًا مجموعات نفّذت هجمات دامية على سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، وعلى المدمرة الأميركية “يو إس إس كول” عام 2000، قبل أن تتقاطع تلك الشبكات مع المسار الذي قاد إلى هجمات 11 سبتمبر. هذا الاستدعاء للتاريخ ليس مجرد مقارنة، بل محاولة لتذكير صناع القرار بأن البيئة التي سمحت بتلك الأحداث لم تُفكك بالكامل، وأن الحرب الحالية قد تعيد إنتاجها في شكل جديد.
وترى الدراسة أن الحرب فتحت الباب أمام عودة الإخوان إلى إدارة الدولة “من الباب الخلفي”، تحت غطاء الدفاع الوطني. وتقول إن وسائل الإعلام الموالية للتنظيم لعبت دورًا محوريًا في تقويض جهود وقف إطلاق النار، ورفض المفاوضات، ونزع الشرعية عن البدائل المدنية، عبر تصوير الحرب كصراع وجودي ضد “عملاء أجانب” و“أعداء للإسلام”. ويشير معد الدراسة، روبرت ويليامز، إلى أن الموالين للتنظيم لم يكتفوا بدعم الجيش منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بل “تغلغلوا في صلب عملياته واستخباراته وسياسته”.
وتذهب الدراسة أبعد من ذلك، معتبرة أن السودان بات بيئة مواتية لشبكات التطرف، بفعل علاقات التنظيم الخارجية، وبفعل هشاشة الدولة في ظل الحرب. وتحذر من التعامل مع السلطة القائمة في بورتسودان، التي ترى أنها “يقودها تنظيم له تاريخ موثق في استضافة القاعدة، وتمويل حماس، والتعاون مع إيران، وتقويض التحولات الديمقراطية”. وتستعيد الدراسة علاقة التنظيم القديمة بإيران، واستضافته أسامة بن لادن عام 1991، لتؤكد أن التقارب الحالي بين الجانبين ليس طارئًا، بل امتداد لمصالح متبادلة.
وتقدم الدراسة قراءة مختلفة لطبيعة الحرب، معتبرة أن اختزالها في مواجهة بين الجيش والدعم السريع “يحجب حقيقة أكثر أهمية”. فالصراع، وفق الدراسة، هو فصل جديد من مشروع الإخوان الممتد لعقود، الهادف إلى الهيمنة على الدولة السودانية “بالقوة عند الضرورة، وبالتسلل عند الإمكان، وبالتحالفات الإقليمية عند الحاجة”. وتصف الحرب بأنها تُدار في جبهات متعددة، لكن عبر “مركز ثقل واحد هو تنظيم الإخوان”.
وتشير الدراسة إلى أن الشبكات المرتبطة بالتنظيم حشدت آلاف الضباط السابقين والكوادر الإسلاموية وقدامى المحاربين، ونظمتهم في ميليشيات أيديولوجية مثل “كتيبة البراء” و“درع السودان”، وأن هذه الوحدات تلقت أسلحة وتمويلًا عبر قنوات عسكرية رسمية، ما أدى إلى طمس الحدود بين الجيش والميليشيات. وتضيف أن منصات التنظيم الإعلامية صاغت خطابًا يبرر الحرب ويمنحها غطاءً دينيًا وسياسيًا، مع تصوير الإخوان كحليف لا غنى عنه في زمن الصراع.
وتلفت الدراسة إلى أن إنشاء هياكل “المقاومة الشعبية”، التي أقرّتها قيادة البرهان، ليس سوى محاولة لإعادة تدوير شبكات التنظيم بعد حلّ حزب المؤتمر الوطني في 2019. وتقول إن الحرب سمحت لهذه الشبكات بالعودة إلى الدولة “من الباب الخلفي”، في تكرار لاستراتيجية التسعينيات حين أصبح السودان مركزًا عالميًا للجهاد العابر للحدود.
وتخلص الدراسة إلى أن الإخوان ليسوا قوة خارجية تؤثر على نظام البرهان، بل “عماده الأيديولوجي والتنظيمي”. وتوضح أن فروع التنظيم توفر المقاتلين والميليشيات والخبرات الاستخباراتية، بينما توفر قيادة البرهان الشرعية والسلاح والوصول إلى مؤسسات الدولة، في “صفقة” تشبه تلك التي دعمت حكم البشير في التسعينيات. ويقول ويليامز: “يُفسّر هذا التكافل سبب فشل الضغوط الدولية لإجراء مفاوضات، فأي انتقال حقيقي إلى الحكم المدني من شأنه أن يُفكّك سلطة الإخوان المُعاد تشكيلها، وهذا ما لا يمكن للنظام الحالي تحمّله”.
وبهذا المعنى، لا ترى الدراسة أن السلام في السودان مسألة ترتيبات عسكرية أو تفاهمات سياسية فحسب، بل مسألة تفكيك بنية أيديولوجية متجذرة داخل الدولة. وهي رؤية، مهما اختلفت حولها القراءات، تعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن للسودان أن يخرج من الحرب دون إعادة تعريف العلاقة بين السلطة، والجيش، والتنظيمات التي ظلت لعقود جزءًا من نسيج الدولة؟