لم يكن تسريب القيادي الإخواني عثمان محمد يوسف كِبِر، رئيس مجلس شورى الحركة الإسلامية السودانية (الإخوان)، مجرد بوحٍ مع إخوة في التنظيم، بل كان بمثابة زلزال أخلاقي هدم آخر قلاع الوهم التي ظلت المؤسسة العسكرية تحتمي بها.
هذا التسجيل ليس إدانة لشخص، بل هو بيان الحقيقة الذي كشف للعالم أن قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان ليس سوى واجهة ومرحلة تكتيكية في أجندة الحركة الإسلامية، ودمية في يد التنظيم الإرهابي تحرك خيوطها وفق مقتضيات التمكين لا مقتضيات الوطن.
لقد ظللنا نردد، وسط ضجيج التضليل، أن ما جرى في 11 أبريل 2019 لم يكن انحيازاً من الجيش لإرادة الجماهير، بل كان عملية جراحية أجراها التنظيم لاستئصال رأس متآكل وزراعة رأس جديد يضمن استمرار الجسد الإخواني في مفاصل الدولة.
وها هو القيادي الإخواني “كِبِر” يأتي اليوم، وهو الذي يتربع وسط جماعته على سدة الشورى، ليؤكد أن البرهان لم يكن يملك ثقلاً عسكرياً من الأساس، بل جِيء به كخيار وظيفي “لسحق جماهير الثورة وإعادة سلطة الحركة وتثبيتها”، وهو كشف يفرض على القوى المدنية إعادة قراءة طبيعة المعركة التي تخوضها.
هذا الاعتراف يمزق قناع مسرحية: “أين الكيزان؟” التي ظل البرهان يؤديها ببراعة الممثل المهزوز؛ فبينما كان يوزع الوعود الزائفة في منصات التفاوض المخادعة، كانت خيوط اللعبة تُحاك في الغرف المظلمة للحركة الإسلامية، التي أشعلت محرقة 15 أبريل 2023 كخيار شمشوني أخير: إما أن نحكمكم أو نقتلكم.
إن عمق التغلغل التنظيمي الذي فضحته كلمات “كِبِر”، وظهور مليشيات وكتائب الإخوان، مثل كتيبة البراء بن مالك وغيرها، كقوة ضاربة في الميدان، يضعنا أمام حقيقة وجودية: الجيش السوداني لم يعد مؤسسة وطنية مخترقة فحسب، بل صار واجهة حركية لعقيدة جماعة إرهابية إجرامية، وهو واقع يفرض مراجعة جذرية لكل الرهانات التي بُنيت على فكرة إصلاح المنظومة من داخلها.
وعندما يصف القيادي الإخواني البرهان بأنه “مجرد حارس” ومرحلة مؤقتة، فإنه يعلن نهاية صلاحية أي حديث عن إصلاح هذه المنظومة. فكيف تُصلح جسداً استوطن فيه السرطان التنظيمي حتى النخاع؟!
إن الفتق قد اتسع على الرتق، ولم تعد المسكنات السياسية تجدي نفعاً مع جيش تحكمه “شورى الجماعة” لا قانون القوات المسلحة، وهي وقائع تضع السودان أمام خيار واضح: إما كسر هذه البنية أو البقاء رهينة له.
إن الخلاص الوطني لا يمر عبر التفاوض مع “الظل”، بل عبر اقتلاع “الأصل”. وهذا التسريب يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن التفاوض مع البرهان هو تفاوض مع واجهة لمركز قرار يقبع في مكاتب تنظيم مصنف بالإرهاب.
إن الحل الوحيد المستدام لا يكمن في الترميم، بل في التأسيس، والذي يبدأ بتفكيك البنية التحتية للحركة الإسلامية داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية كافة، ومن ثم بناء جيش مهني قومي جديد، يُشيد من نقطة الصفر، بعقيدة وطنية خالصة تدين بالولاء للعلم لا للمرشد.
والأهم الإقرار بأن المؤسسات العسكرية والأمنية الحالية مختطفة، وبحاجة إلى عملية تحرير شاملة تبدأ من القمة التي كشف “كِبِر” عن ارتهانها المطلق.
لقد سقط القناع، وبات المشهد عارياً؛ تنظيم يقاتل من أجل البقاء، وجنرال تائه في مأزق ولاءاته، وشعب يرفض أن يكون رهينة لخيوط تدار من خلف الستار.
وبعد هذا الكشف، لم يعد السؤال من يحكم السودان، بل كيف يُستعاد السودان من قبضة هذا التنظيم.
إن بناء الدولة يبدأ باجتثاث مخلفات “التمكين” من الثكنات، ليعود السلاح حارساً للحدود، لا أداة لعودة الإرهاب والاستبداد إلى الحكم.