السودان على حافة الهاوية: تقرير يكشف عن مجاعة تجتاح مناطق واسعة وأكثر من 21 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد

حسن على سنهوري

مقدمة: الكشف عن أبعاد الكارثة الإنسانية في السودان

يكشف تحليل جديد صادر عن “المبادرة العالمية للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)”، بتاريخ 3 نوفمبر 2025، عن حجم كارثة إنسانية مروعة تتكشف في السودان. فالصراع الممتد دفع البلاد إلى حافة الهاوية، وتؤكد النتائج وقوع المجاعة بالفعل في أجزاء منها. وما يزيد الأمر سوءًا، يواجه أكثر من 21.2 مليون شخص مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مما يرسم صورة قاتمة لمستقبل الملايين في ظل استمرار الأزمة.

الوضع الراهن: تحليل أرقام الأزمة (سبتمبر 2025)

تُظهر أرقام شهر سبتمبر 2025، الذي يمثل ذروة موسم الجفاف، واقعًا مأساويًا يكشف عمق الأزمة. إن فهم هذه الإحصائيات ضروري لتقدير حجم المعاناة الهائلة التي يعيشها السكان:

إجمالي المتضررين: يواجه 21.2 مليون شخص (45% من السكان) انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة من التصنيف المتكامل أو أسوأ).

حالات الطوارئ: يعاني 6.3 مليون شخص (13% من السكان) من ظروف طارئة (المرحلة الرابعة).

الكارثة: يعيش 375,000 شخص (1% من السكان) في ظروف كارثية (المرحلة الخامسة).

ترسم هذه البيانات خارطة لسودانيين متباينين؛ فبينما شهدت ولايات مثل الخرطوم والجزيرة وسنار تحسنًا نسبيًا محدودًا، تتركز الكارثة بشكل صارخ في منطقتي دارفور الكبرى وكردفان الكبرى. فمن بين 375,000 شخص يواجهون ظروفًا كارثية على مستوى البلاد، هناك نسبة مذهلة تبلغ 98% (ما يقرب من 370,000 فرد) محاصرون في هاتين المنطقتين، مما يجعلهما بؤرة المجاعة. هذه الأرقام المفزعة تمهد الطريق لإعلان رسمي أكثر خطورة: وقوع المجاعة فعليًا في مناطق محددة..

إعلان المجاعة: نظرة معمقة على أشد المناطق تضرراً

يُعد إعلان المجاعة (المرحلة الخامسة وفقاً للتصنيف المتكامل) أعلى مستويات التحذير، ويصفه التقرير بأنه “انهيار تام لسبل العيش، وحدوث مجاعة، وارتفاع حاد في مستويات سوء التغذية والوفيات”. وللمرة الثانية خلال أقل من عام، خلصت “لجنة مراجعة المجاعة (FRC)” التابعة للتصنيف المتكامل إلى أن تصنيف المجاعة (المرحلة الخامسة بأدلة معقولة) ينطبق على كل من مدينة الفاشر في شمال دارفور ومدينة كادقلي المحاصرة في جنوب كردفان. ويُعتقد أن الظروف في مدينة الدلنج المحاصرة مماثلة، لكن النقص الحاد في البيانات يحول دون تصنيفها رسمياً.

وتكشف التفاصيل الواردة من هذه المناطق عن مستوى من اليأس يفوق الوصف. وتتجلى هذه المعاناة في الأرقام؛ ففي الفاشر، أفادت 96% من الأسر بأنها تذهب إلى النوم وهي جائعة، بينما أمضى 57% منهم أياماً كاملة بلا طعام، مما اضطرهم إلى تناول “الأمباز” (بقايا عصر بذور الزيوت) وقشور الفول السوداني بغرض البقاء على قيد الحياة.

 التكلفة البشرية: سوء التغذية الحاد وأكبر أزمة نزوح في العالم

المجاعة ليست سوى العرض الأبرز لأزمة أوسع تضرب ملايين الأشخاص، وخاصة الأطفال والنازحين الذين يتحملون العبء الأكبر. وتكشف البيانات عن تفاقم حالة الطوارئ الصحية والغذائية. تُظهر أرقام سوء التغذية مستويات مقلقة؛ إذ تجاوزت معدلات سوء التغذية الحاد العالمي (GAM) في 60% من المناطق التي شملتها استطلاعات SMART عتبة الطوارئ البالغة 15%. وفي دارفور الكبرى، تقترب أربع مناطق من عتبة المجاعة البالغة 30% أو تتجاوزها، مثل مليط (34.2%) والطويشة (29.4%). وتتجسد حدة هذه الأزمة بوضوح على أرض الواقع؛ فقد تبين أن ثلاثة أرباع الأطفال الذين وصلوا إلى طويلة بعد فرارهم من الفاشر منتصف أكتوبر كانوا يعانون من سوء التغذية الحاد. كما ارتفع عدد الأطفال دون سن الخامسة المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم والمسجلين في برامج العلاج بنسبة 40% بين يناير وسبتمبر 2025 مقارنة بعام 2024. وفي السياق ذاته، لا يزال السودان يعاني من “أكبر أزمة نزوح في العالم”، مع وجود ما يقرب من 9.6 مليون نازح داخليًا. ورغم أن هذا الرقم يمثل انخفاضًا عن الذروة التي بلغت 11.5 مليونًا، إلا أنه يُخفي واقعًا جديدًا ويائسًا: فقد عاد 2.6 مليون شخص، وغالبًا إلى مناطق دُمرت فيها البنية التحتية وانعدمت فيها الخدمات، ليجدوا أنفسهم قد استبدلوا شكلاً من أشكال الضعف بشكْل آخر.

 الأسباب الجذرية للكارثة: تحليل المحركات الرئيسية للأزمة

  • يؤكد التقرير أن هذه الأزمة هي “من صنع الإنسان”، وأن فهم جذورها هو الخطوة الأولى نحو إيجاد حلول مستدامة. وتتضافر عدة عوامل لتشكيل هذه الكارثة الإنسانية:
  • الصراع وانعدام الأمن: يُعد النزاع المستمر، خاصة في دارفور الكبرى وكردفان الكبرى، المحرك الأساسي للأزمة، حيث يتسبب في نزوح جماعي، وتقييد وصول المساعدات، وتدمير البنية التحتية. ويزيد انهيار النظام الصحي، الذي تضرر فيه ما يقدر بنحو 80% من المرافق، من حدة حالة الطوارئ الغذائية بشكل مباشر، مما يترك 448,301 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم بخيارات بقاء محدودة.
  • الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار: أدت اضطرابات سلاسل التوريد، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وتدهور قيمة العملة إلى ارتفاع هائل في أسعار المواد الغذائية. وقد أدى هذا التضخم الجامح إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، مما جعل الكثيرين غير قادرين على تحمل تكاليف الغذاء الأساسي.
  • نقص المساعدات الإنسانية وصعوبة الوصول: لا تزال المساعدات الغذائية الإنسانية منخفضة بشكل خطير، حيث تصل إلى 21% فقط من المحتاجين. وتواجه عمليات الإغاثة تحديات لوجستية وإدارية هائلة، بالإضافة إلى نقص التمويل، مما يعيق بشدة قدرة المنظمات على الوصول إلى السكان الأكثر تضررًا.

 توقعات المستقبل: نظرة قاتمة حتى مايو 2026

لا يقتصر التقرير على تحليل الوضع الراهن فحسب، بل يقدم توقعات مستقبلية تزيد من حدة الأزمة وتنذر بسوء العواقب.

  • التوقع الأول (أكتوبر 2025 – يناير 2026): يُتوقع حدوث تحسن طفيف ومؤقت بفضل موسم الحصاد، لكن سيظل 19.2 مليون شخص (40%) يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وستكون هذه المكاسب محدودة للغاية في مناطق النزاع.
  • التوقع الثاني (فبراير – مايو 2026): من المتوقع أن يتدهور الوضع مجددًا مع بدء نفاد مخزون الغذاء، حيث سيواجه 19.1 مليون شخص (41%) انعدام الأمن الغذائي الحاد. والأخطر من ذلك أن هذا الرقم يعد تقديرًا متحفظًا يقلل بشكل كبير من حجم الكارثة المحتملة؛ إذ لم يتمكن المحللون من تصنيف أوضاع ما يقرب من 841,000 شخص في المناطق الأكثر تقلبًا والتي تعاني من المجاعة، بما في ذلك الفاشر وكادقلي. هذا يعني أن العدد الفعلي للمتضررين من الجوع هو أعلى من ذلك بكل تأكيد.

علاوة على ذلك، يسلط التقرير الضوء على “خطر المجاعة” المستمر في 20 منطقة في دارفور الكبرى وكردفان الكبرى في حال تحقق أسوأ سيناريوهات الحالات، التي تتضمن تصاعد النزاع وتشديد القيود على وصول المساعدات.

 دعوة عاجلة للتحرك: توصيات لمنع المزيد من الانهيار

لا يكتفي التقرير بتحليل الكارثة، بل يقدم خارطة طريق واضحة للإجراءات العاجلة المطلوبة. إن “الخطوات اللازمة لمنع المزيد من الكوارث واضحة” وتتطلب إرادة سياسية وتحركًا فوريًا.

  1. فرض وقف إطلاق النار: يجب أن تتوقف الأعمال العدائية فورًا؛ فهو السبيل الوحيد لوقف الخسائر في الأرواح واحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
  2. ضمان وصول المساعدات الإنسانية: يجب ضمان وصول المساعدات بشكل آمن ومستدام ودون عوائق، مع إعطاء الأولوية للوصول غير المقيد إلى دارفور الكبرى وكردفان الكبرى وداخلهما، لا سيما مدن الفاشر وكادقلي والدلنج.
  3. حماية المدنيين: من الضروري حماية البنية التحتية المدنية، وضمان سلامة السكان وحرية تنقلهم، ومعالجة المخاوف المتعلقة بحمايتهم.
  4. زيادة التمويل: يجب زيادة التمويل فورًا لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية متعددة القطاعات، مع إعطاء الأولوية للمناطق المتضررة من المجاعة.
  5. تسهيل جمع البيانات: من الأهمية بمكان تسهيل جمع البيانات الصحية والغذائية دون قيود لتمكين التقييم الدقيق للاحتياجات وتوجيه الاستجابة بفعالية.

هذه حالة طوارئ من صنع الإنسان، والخطوات اللازمة لمنع المزيد من الكوارث واضحة. يجب ممارسة أقصى قدر من الضغط الدبلوماسي على أطراف النزاع وداعميهم الدوليين لوقف إطلاق النار وإنهاء الحصارات، وفي نهاية المطاف، إنهاء الصراع نفسه.

 

-مستشار التنمية الزراعية

saniali2010@gmail.com