التخطيط الزراعي من اجل السلام في السودان

طرق تفكير النخب المهنية في التخطيط للقطاع الزراعي السوداني (1-2)

تقديم

بعد استعراضنا لطرق التفكير الأيديولوجية التي تناولت القطاع الزراعي في فترة ما بعد ثورة ديسمبر (سنناقش تطبيق مفهوم التحول الزراعي في نظم الحكم المختلفة في مقال لاحق)، يهدف هذا المقال إلى تحليل طرق تفكير النخب الزراعية المهنية (الأكاديمية والعملية)، التي تُعَدُّ الجهة الاستشارية الفنية للجهات السياسية. يتم ذلك عبر تحليل محفظة المشاريع المقترحة لمؤتمر باريس، التي أُسند إعدادها إلى لجان وزارية متخصصة. لا يقتصر هدف هذا المقال على مجرد نقد مشاريع فردية، بل يسعى لتقديم تشخيص دقيق للنموذج الفكري المهيمن في التخطيط الزراعي السوداني، والذي أثبت قصوره على مدى عقود. إن “التفكير الخطي التقليدي”، الذي يركز على حلول ضخمة ومجزأة لمعالجة أعراض المشكلات، يؤدي بشكل منهجي إلى إهدار رأس المال الاستثماري، وتعميق الفوارق التنموية بين أقاليم البلاد، وتفويت فرص تاريخية ثمينة. يكمن الفشل هنا ليس في النوايا، بل في المنهجية التي عفا عليها الزمن.

  1. الأساس النظري: التمييز بين منهجين في التخطيط والتنمية

هل تساءلت يوماً عن سبب فشل بعض خطط التنمية الكبرى رغم النوايا الحسنة الكامنة وراءها؟ الإجابة لا تكمن غالباً في قلة الموارد أو ضعف النوايا، بل في الطريقة الأساسية التي نفكر بها في المشكلة. تنقسم مناهج التفكير إلى منهجين رئيسيين: الأول هو “التفكير الخطي التقليدي”، الذي يركز على معالجة الأعراض الظاهرة للمشاكل بشكل سريع ومباشر. أما الثاني فهو “التفكير المنظومي”، الذي يبحث بعمق في الأسباب الجذرية والعلاقات الخفية التي تشكل هذه المشاكل.

التفكير الخطي هو النهج الذي يقسم المشاكل الكبيرة والمعقدة إلى أجزاء صغيرة ومنفصلة، ثم يحاول معالجة كل جزء على حدة، معتقداً أن إصلاح الأجزاء سيؤدي تلقائياً إلى إصلاح النظام بأكمله، غالباً ما يؤدي هذا إلى ما يُعرف بـ “الحلول التي تأتي بنتائج عكسية” (Fixes That Backfire). هذه الحلول تبدو ناجحة على المدى القصير، لكنها تخلق مشاكل جديدة أو تفاقم المشكلة الأصلية على المدى الطويل لأنها تتجاهل الترابطات داخل النظام. حدث هذا في السودان، حيث أدى التركيز على المشاريع الكبيرة إلى تهميش مناطق صغار المنتجين، وكانت النتيجة ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في تلك المناطق، مما قاد بدوره إلى ظهور حركات مسلحة بحثاً عن العدالة المفقودة.

على النقيض تماماً، يمثل التفكير المنظومي القدرة على رؤية الصورة الكاملة وفهم العلاقات والتفاعلات الديناميكية التي تربط أجزاء النظام المختلفة. بدلاً من التركيز على الأجزاء المنفصلة، يركز هذا النهج على “الكل” وكيف تعمل مكوناته معاً.

لتوضيح الفكرة، دعونا نستعرض كيف يظهر هذان المنهجان في خطط تنموية حقيقية قُدمت لمؤتمر باريس.

  1. دراسة حالة: كيف كشفت مشاريع مؤتمر باريس عن هيمنة التفكير الخطي

يكشف تحليل محفظة المشاريع الزراعية المقدمة لمؤتمر باريس بوضوح عن هيمنة “النماذج العقلية” الخطية لدى المخططين والمهنيين، ويتجلى ذلك في ثلاثة مؤشرات رئيسية:

  • المؤشر الأول: التركيز على المشاريع العملاقة (فخ “الأكبر هو الأفضل” وتجاهل التعقيد)

يُظهر تحليل المشاريع المقترحة هيمنة واضحة لعقلية “الأكبر هو الأفضل”، حيث ينصب التركيز بشكل كاسح على المشاريع المروية الضخمة والمكلفة كحل شامل للتحديات الزراعية. ومثال على ذلك، تم اقتراح مشروع إعادة تأهيل مشروع الجزيرة بتكلفة تقديرية بلغت 1.08 مليار دولار، وإقامة مشروع جديد (مشروع وادي الهواد الزراعي) على مساحة 2.4 مليون فدان بتكلفة تقديرية تبلغ 400 مليون دولار.

يُجسد هذا النهج عقلية “السيطرة والتحكم” التي تفضل الحلول المادية القابلة للقياس (مثل زيادة مساحة الأراضي المروية)، لكنها تتجاهل الشبكة المعقدة من العوامل الاجتماعية والبيئية والاقتصادية التي تحدد نجاح أي نظام زراعي على المدى الطويل.

  • المؤشر الثاني: التركيز الجغرافي التاريخي (مسار “المقاومة الأقل” الذي يعمّق الانقسامات)

يُبرز تحليل المشاريع نمطاً مقلقاً آخر يتمثل في “الاعتماد على المسار” (Path-dependency). ببساطة، يعني هذا المفهوم أن القرارات السابقة تقيد الخيارات المستقبلية، مما يجعل الاستثمار في المناطق التي تمتلك بنى تحتية قائمة بالفعل (مثل ولاية الجزيرة، ونهر النيل، وسنار، والنيل الأبيض) هو الخيار الأسهل والأقل مقاومة، بينما يُغلق الباب أمام استكشاف الإمكانات الكبيرة في المناطق المهمشة.

  • المؤشر الثالث: تهميش المشاريع الريفية

في المقابل، كانت المشاريع المقترحة للمناطق الريفية والطرفية تفتقر إلى التفاصيل والميزانيات المحددة. ومن أمثلتها: مشروع أم عجاجة الزراعي (شرق دارفور)، مشروع هيال الزراعي (غرب دارفور)، مشروع إعادة إنتاج القطن قصير التيلة (جنوب كردفان)، ومشروع دلتا طوكر الزراعي (البحر الأحمر). إن غياب التقديرات المالية والتفاصيل الاستراتيجية لهذه المشاريع يدل على أنها تُعامل كـ “جزر معزولة وهامشية” بدلاً من كونها جزءاً لا يتجزأ من نظام زراعي وطني متكامل.

هذا النهج لا يؤدي إلا إلى تعميق الفوارق التنموية التاريخية. يتجاهل هذا النهج مبدأ أساسياً النظام يكون قوياً فقط بقوة أضعف حلقاته. فمن خلال تعزيز المركز وإهمال الأطراف، يضمن هذا النموذج بناء نظام زراعي وطني هش وغير متوازن، إن هذا النمط المتكرر ليس صدفة، بل هو النتيجة الحتمية لنموذج فكري أثبت قصوره، وهو ما يستدعي ليس فقط مراجعة المشاريع، بل إعادة هيكلة العقل التخطيطي نفسه.

  1. نموذج بديل: مشروع SALT كمثال للتفكير المنظومي

في مقابل المشاريع العملاقة ذات التفكير الخطي، يبرز مشروع التحول الزراعي والثروة الحيوانية (SALT)، الذي أُعِدَّ خلال الفترة الانتقالية، كنموذج بديل يجسد قوة التفكير المنظومي (منهج سلسلة القيمة) . يهدف المشروع إلى تعزيز سبل العيش المستدامة والأمن الغذائي والقدرة على الصمود من خلال تبني الزراعة الذكية مناخياً. صُمم هذا المشروع المبتكر بواسطة خبير عالمي ومجموعة من المستشارين المحليين، تحت إشراف منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبمساعدة من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) في السودان، مما يضفي عليه مصداقية منهجية عالية. وتتجلى عقلية هذا المشروع في السمات التالية:

  •  الأهداف المتكاملة: هدف المشروع إلى تعزيز استدامة سبل العيش، ورفع مستوى الأمن الغذائي، وبناء القدرة على الصمود عبر تبني الزراعة الذكية مناخياً وتيسير الوصول إلى الأسواق.
  •  الاستهداف الدقيق: يركز المشروع على صغار المزارعين والرعاة في ولايتي القضارف وشمال كردفان، بناءً على تحليل يربط بين معدلات انعدام الأمن الغذائي المرتفعة والإمكانات الإنتاجية الكامنة في تلك المناطق.
  • الشمولية والعدالة الاجتماعية: يولي المشروع اهتماماً خاصاً بتمكين النساء والشباب، مستهدفاً 1,111,901 مستفيد مباشر من الفئات الأكثر ضعفاً.
  • * الكفاءة الاستثمارية: سعى المشروع لتحقيق أثر واسع ومستدام بتكلفة تقديرية تبلغ 32,395,000 دولار أمريكي، وهو رقم يبرز كفاءة النموذج مقارنة بالتكاليف الباهظة لمشاريع باريس العملاقة.

تكشف المقارنة الرقمية بوضوح عن اختلاف جوهري في الفلسفة التنموية: فقد بلغت تكلفة مشروع وادي الهواد 400 مليون دولار لتوسيع الرقعة الزراعية، في حين كلف مشروع (SALT) حوالي 32 مليون دولار فقط، ليستفيد منه بشكل مباشر أكثر من 1.1 مليون فرد بهدف إحداث تغيير حقيقي في حياتهم.

يعكس هذا التباين الصارخ اتجاهين مختلفين: الأول يركز على البنية التحتية كثيفة رأس المال، والآخر يركز على الكفاءة والأثر الموجه نحو الإنسان.

إذًا، ما الدرس المستفاد من هذه المقارنة؟

إن التحول الأهم الذي يتطلبه التخطيط التنموي الزراعي في السودان لا يكمن فقط في البحث عن تمويل أكبر أو مشاريع أضخم، بل يكمن في إحداث تغيير جذري في العقلية التخطيطية ذاتها. يجب علينا الانتقال من النهج الخطي التبسيطي الذي يركز على عناصر منفصلة، إلى نهج شمولي ومنظومي يدرك الصورة المتكاملة، ويؤمن بأن قوة النظام تنبع من قوة الروابط والعلاقات بين مكوناته. الخيار أصبح واضحًا: هل سنستمر في ضخ المليارات في مشاريع عملاقة ومعزولة تؤدي إلى تدهور تربتنا وتعميق عدم المساواة؟ أم سنمتلك الشجاعة لطرح سؤال مختلف: كيف نستثمر في العلاقات بين مزارعينا وأرضنا ومجتمعاتنا لبناء نظام يضمن الرخاء للجميع؟ وفي المقال القادم، سنواصل التحليل عبر عرض بعض أنشطة تخطيط القطاع الزراعي خلال فترة ما بعد ثورة ديسمبر، لتوضيح التحديات التي ستواجه تطبيق التحول الزراعي من أجل السلام في السودان.

saniail2010@gmail.com