هاشم صديق..طائر الشفق الغريب

السرالسيد

جاء في مسلسل الحراز والمطر وعلي لسان بطله الكاتب عصام محمود:

(نفسي اعرف اكتر عن الناس واكتب وما اخاف من الاصوات العايزاك تكسر قلمك).

تمهيد:

كنت محظوظا وأنا طالب فى المعهد العالى للموسيقى والمسرح، مطلع ثمانينيات القرن الماضى أن تعرفت على المسرح وعلومه على يد الاستاذ هاشم صديق.

درسنى هاشم صديق فى سنوات مختلفة ثلاثة مواد تعد مركزية فى دراسة المسرح هى: “مسرح سودانى”، و “ودراسة وتحليل”، و “تمثيل عملى”، فى مادة المسرح السودانى والتى يمكن اعتباره وبلا جدال هو من جمع مادتها ووضع منهجها فقد عكف وبمثابرة عظيمة على تسجيل سير ومذكرات رواد المسرح السودانى كخالد ابوالروس والطاهر شبيكة والفاضل سعيد وحسن عبدالمجيد وغيرهم، كما درج وبالكثير من الالتزام والصبر،ان ينمّى فينا مهارة البحث والكتابة النقدية حيث اجترح وبعقل مفتوح أربعة دوائر للتفكير فى المسرح السودانى كان بمقدورها ان تضع الطالب/الطالبة، فى جحيم الاسئلة والتساؤل، والدوائر هى:”الاسطورة والتاريخ فى المسرح السودانى”، و “المسرح والحركة الوطنية فى السودان”، و”العناصر الدرامية فى المورثات الشعبية السودانية”، و “تيار الكوميديا فى المسرح السودانى”.. هذه الدوائر الاربعة إضافة الى الموضوعات المحايثة لها ذات الصلة بالمسرح السودانى، ككتابة بحوث عن كتاب مسرحيين سودانيين كحمدنا الله عبدالقادر وعلاقته بالواقعية، او المسرح فى بخت الرضا أو النقد المسرحى فى الثلاثينيات من خلال مجلتى الفجر والنهضة، وغيرها من المجالات التى يتوفر عليها المسرح السودانى. وفى مادة الدراسة والتحليل، اقتحم بنا ونحن بعد فى اولى خطوات المعرفة عوالم وليام شكسبير فعرّفنا على مسرحيات،”عطيل”، و”هاملت”، و “ماكبث”، و عوالم الكاتب المسرحي السويدي أوغست استراندبيرج فى مسرحيتيه، “الأب”، و”مس جوليا”، وعوالم الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر فى مسرحيته “اللوحة”، وعوالم الكاتب الامريكي تنيسي وليامز فى مسرحيتيه “هبوط اورفيوس”، و”عربة اسمها الرغبة”، وفى مادة التمثيل العملى، اكتشفنا معه اسرار اصواتنا واسرار اجسادنا، عبر تلك العملية النفسية، العقلية،الجسدية المعقدة التى هى فن التمثيل.

من هذه المواد الثلاثة وما يحايثها، كان اول ما تعلمته واصبح زادا لى فى مقبل الايام، هو التفكير النقدى وذلك بالنظر للظواهر والاشياء والنصوص فى سياقها وعلاقاتها، فمن مادة المسرح السودانى تعلمت انه لا يمكن فهم المسرح والتعاطى معه دون النظر الى تناسجه مع حقول اخرى كالانثربولوجيا والتاريخ والسياسة والادب ومن مادة الدراسة والتحليل، تعلمت كيف اقرأ النص، وكيف اتذوق لذته، وكيف اشرّحه، باختصار كيف انتج كتابة موازية له.. ما لم انساه أبدا هو ان كل تلك المعارف كانت تتدفّق منه بلطف ومرح ومشاكسة حميمة، تملأ المكان حيوية تزدان اكثر عندما يدعونا الى بيته لمواصلة ما انقطع من مؤانسة معرفية مبهجة.

ولد هاشم صديق في بحر اربعينيات القرن الماضي وهو امدرماني صميم. تخصص هاشم صديق في النقد والدراسات المسرحية وتخرج ضمن الدفعة الاولي 73 – 1974 في (معهد الموسيقي والمسرح والفنون الشعبية)، وقد كان هذا هو الاسم الاول الذي تأسس عليه المعهد وهو الاسم الانسب كما كشفت لنا معارف المسرح الحديثة، بعدها صار اسمه (المعهد العالي للموسيقي والمسرح)، ثم اخيرا (كلية الموسيقي والدراما- جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا)!!، ليصبح بعد تخرجه معيدا ثم يبعث الي انجلترا ويعود لمواصلة تدريسه حتي مغادرته للمعهد ضمن ملابسات لن اقف عندها الان.

تنوعت المجالات الابداعية التي تحرك فيها هاشم صديق فهو كاتب مسرحي، وناقد، وكاتب دراما اذاعية وتلفزيونية، كما له تجارب في التمثيل، وبرغم هذه التعددية وتعقيداتها فقد تميّز بالاستمرارية، المحروسة بالالتزام علي المستوي الفني، وعلي مستوي المواقف الفكرية والسياسية، فقد ظل ذلك المثقف الذي يتحسس استقامته في كل آن وحين، آويا الي (جبل يسمونه الشعب)، فمنذ ان كتب قصيدته قصة ثورة “الملحمة”، في العام 1968 وحتي وفاته في 9 نوفمبر 2024، ظلت الثورة هي قصته التي يمشي بها في الناس.. ما يجب عدم اغفاله هنا هو،
مغامرته العظيمة وكسره للصمت والتواطؤ علي هدر الحقوق الادبية والمالية خاصة لدي شعراء الاغنية وذلك عندما كشف وبجرأة كانت باهظة الثمن ان مغنيين كبار كانوا يهدرون هذا الحق ولسنوات كثيرة، ومعهم اجهزة الاعلام الرسمية ومنذ تلك اللحظة اخذ الوعي بالحقوق الفكرية يتنامي ويتسع حتي انه شكّل سؤالا جديدا للقانونيين ودعاة حقوق الانسان في السودان، و بعدها حدث ما حدث.

ان هذه العوالم الابداعية المتعددة المجالات، المختلفة التقنيات اذا جاز التعبير، تتخلق من امشاجِ لغةٍ وافكار تسعي حثيثا لخلق قول صرخته الاولي والمستمرة، الحب والجمال والعدل والحرية، فمعجم هاشم صديق، المحتشد في كل ابداعه، بكلمات من نوع سحاب، ونخيل، وشارع، وحب، وخيال، ونضال، ونور، وحبيبة، وشمس، وثورة، ووطن، وبلد، وفجر، وارِض، وعطر، وشهادة… انه معجم يحتفل بالحياة ويحلق بها.. الحياة التي ينجاور فيها الخاص مع العام، والشخصي مع السياسي، واليومي مع الكوني، فيغدو البيت هو الوطن والوطن هو البيت، فما قالته علي سبيل المثال (مسرحية نبتة حبيتي)، لا يبعد كثيرا عن ما قاله (مسلسل الحراز والمطر)، وما قالته قصيدة (قصة ثورة)، لا يبعد كثيرا عما قالته قصيدة (الشوق والوطن).

وجهاد فتح درب الصباح

وشهيد ملفَّح بالزهور

وشباب بعز ديمة الارض

شايل مبادي نضالو نور

………………………..

الفين سلام يايمة

يا شتل المحنة الشبّ في وسط الجروف

الفين سلام يا يابا

يالدرع المتين

الليهو كم سجدت سيوف

يا جدة يا ام صوتا حنون

حجواتا بالوادي بتطوف

الفين سلام يا السمحة

يا شمس الفريق الليها

كم غنت حروف.

ان هذه الامشاج التي رحمها النضال الرحيم، باستطاعتنا ان نتلمسها، في مسرحه، ومساهماته النقدية، وكتاباته الدرامية وشعره، فالي تفاصيل أخري.

فى المسرح:

تكمن قيمة هاشم صديق على صعيد التأليف المسرحى، فى مواصلته لما يعرف بالمسرح الشعري الذى خفت حضوره فى فترة السبعينيات حيث سادت المسرحية النثرية على عكس فترة الثلاثينيات حيث كانت السلطة للمسرحية الشعرية، واشير هنا الي مسرحيته الشهيرة، “نبتة حبيتى”، هذا أولا، اما ثانيا التفاته الى التاريخ السودانى غير المتصل بالثقافة الاسلامية كما في مسرحيته نبتة حبيتى التي نهضت على استلهام حكاية من الفترة الكوشية، مع ملاحظة ان الذى كان سائدا فى تلك الفترة هو الاستناد على الارث المتصل بالثقافة الاسلامية كما في مسرحيات، “حصان البياحة” ليوسف عيدابى، و “ريش النعام” لخالد المبارك، و “سنار المحروسة” للطاهر شبيكة، فقد اتكأت هذه المسرحيات على بعض مما جاء فى كتاب (طبقات ود ضيف الله)، او الاستناد على القصص الدينى “برواياته الشعبية” كما فى مسرحية (الخضر)، ليوسف خليل، ليستمر النهل بعده من الارث غير المتصل بالثقافة الاسلامية، مع الخاتم عبدالله فى مسرحية “مأساة يرول”، ثم مع آخرين من بعدهما.

كتب هاشم صديق للمسرح، مسرحيات (نبتة حبيبتى) وقد اخرجها الاستاذ مكي سنادة، علي خشبة المسرح القومي بامدرمان في الموسم المسرحي 73- 1974 ثم اخرجها د.صالح عبدالقادر بنزوع تجريبي بديع، علي (مصطبة الفكي عبدالرحمن)، في المسرح القومي في العام 2008، و(احلام الزمان)، التي اخرجها صلاح تركاب، علي خشبة المسرح القومي في موسم 72-1973، و (وجه الضحك المحظور)، التي اخرجها سعد يوسف، علي خشبة المسرح القومي في العام 1994، ثم مسرحية (كرنتية واو)، والتي لم تعرض.

فى ذات السياق، نجده إضافة الى التأليف المسرحى قد كتب فى النقد المسرحى فى العديد من الصحف السودانية كما قدم برنامجا شهيرا عن المسرح فى الاذاعة السودانية هو (برنامج “فنان مسرحي على كرسي الاعتراف)، وثّق فيه لعدد كبير من رموز المسرح السوداني.

فى الدراما الاذاعية:

بثّت له الاذاعة القومية مسلسلات: (قطر الهم) في العام 1974، و هو من اخراج محمود يسين، ومسلسل (الديناصور) في العام 1985، من اخراج عماد الدين ابراهيم،

و مسلسلات، (الحراز والمطر 1979)، و (الحاجز 1981)،

و(الخروج من النهر 1984)، واخيرا مسلسل (حزن الحقائب والرصيف)، و كلها من اخراج صلاح الدين الفاضل.

نشير هنا الي كل مسلسلاته حظيت بمشاركة كبار الممثلين والممثلات من امثال، مكي سنادة، وانور محمد عثمان، وفوزية يوسف، وتحية زروق، وغيرهم، كما نشير الي أن مسلسلاته قد تميزت بلغة “مدينية”، قوامها الشعر والشاعرية، كما انها زاوجت بين الحوار، والسرد، و الغناء حتى لكأن الغناء يشكل فيها عنصرا رئيسا فى البناء الدرامى، وهى ميزة وسمت مسلسلاته بسِمة، قلّ ان نجدها فى المسلسلات الاذاعية الاخرى.، وكلنا بلا شك يتذكر ما قام به الفنان ابو عركي البخيت في مسلسلي “قطر الهم” و “الحراز والمطر”. يضاف لهذا ان مسلسلاته، كما مسرحياته واشعاره، قد قدمت نساء يمكن وصفهن بالمختلفات،

ك”سلمى” و “صفية” فى مسلسل الحراز والمطر، و “سالي” في نبتة حبيبتي.

فى الدراما التلفزيونية :

بث له التلفزيون القومى في اواخر الستينيات من القرن الماضي تمثيلية، (اجراس الماضي)، وتمثيلية،(موعد منتصف الليل)، و(احلام الزمان)، كمسلسل من عدد من الحلقات، ثم في العام 1993 بث له التلفزيون القومي مسلسل،(طائر الشفق الغريب) من اخراجه والمسلسل في الاصل معالجة تلفزيونية للمسلسله الاذاعي (الديناصور)،

و مما لا ينبغي ان ينسي هنا، تلك الهجمة المنظمة القاسية التى تعرض لها المسلسل من قبل أكثرية ممن يطلق عليهم الصحافيين الفنيين،حيث لم يكن فى تلك الحملة نقدا ولا يحزنون.

على صعيد النقد، نذكر برنامجه التلفزيوني، (دراما 90)، الذى بثه التلفزيون القومى، ووجد اقبالا وتفاعلا كبيرا ولا ازال اتذكر نقده وتحليله لمسلسل رأفت الهجان، ولبعض الافلام الاجنبية باسلوب اقرب الي السهل الممتنع وبطريقة عرض شيقة و جاذبة، مع الاشارة الي ان نفس البرنامج وبعد خلافات له مع التلفزيون القومي قد بثته قناة النيل الازرق بعد تغيير عنوانه الي (دراما 2000).

فى الشعر:

يكفى ان اقول هنا: ان استاذنا استطاع أن يحقن شرايين القصيدة العامية بأخيلة ومضامين كانت فى الغالب حكرا على القصيدة الفصيحة خلال فترة الستينيات والسبعينيات، وان كل اغانيه و فى حالة نادرة سارت بها الركبان فى البدو و الحضر، (حروف اسمك، الشوق والوطن، النهاية، حاجة فيك، العودة).

بقى ان أقول: اننا قد نلمس بعضا من أصداء سيرته الشخصية فى بعض أشعاره وبعض أعماله الدرامية كمسلسل “الحراز والمطر”، و”مسرحية وجه الضحك المحظور” فكلا العملين بطلهما (كاتب) مع فروقات هنا وهناك بين حكاية البطلين، ولعل ما قد يؤكد هذا الزعم، ان قصة (اجراس الماضي)، المنسوبة لبطله عصام محمود في مسلسل الحراز والمطر، هي في الاصل تمثيلية تلفزيونية من تأليفه كما اشرنا، وان اشير في خاتمة المقالة الي ان اجمل ما فعله استاذنا انه سجّل سيرته الشخصية والتى اتخذت عنوان ديوانه (الزمن والرحلة)، عنوانا لها، وبثتها اذاعة البيت السوداني “اف ام 100″… تلك السيرة التي قال عنها هو انها ستكون، “شهادة للتاريخ”

رحم الله استاذى هاشم صديق وشمله برضوانه ومغفرته.