في البداية، لابد لنا من تقديم التهنئة الخالصة إلى غرف طوارئ السودان بمناسبة نيلها جائزة رافتو النرويجية لحقوق الإنسان لهذا العام، والاعتراف الصادر من معهد تشاتام هاوس (مؤسسة أبحاث بريطانية) بمساهمتها الكبيرة في دعم المجتمعات المتضررة، إضافة إلى الإشادة التي وردت من بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان تقديراً لدورها الإنساني في تقديم مساعدات حيوية، هذا الاعتراف بجميع أشكاله هو استحقاق كبير ناله المدافعون السودانيون الأقوياء الذين واجهوا الصعاب من أجل حماية الشعب السوداني من الكوارث التي ظل يتعرض لها لأكثر من سبعين عاماً.
ولا نستطيع أن نزعم أنّ الشعب السوداني كان سيموت جوعاً وقهراً لو لم يستجب المدافعون السودانيون لتأسيس غرف طوارئ السودان، لكنه كان وسيظل قادراً على الصمود والنجاة بفعل كرم وجود السودانيين بطبيعتهم وفطرتهم. غير أن مجتمعات سودانية أخرى مازالت صامدة رغم إقصاؤها من دعم غرف الطوارئ بحكم الانتماء إلى كيانات اثنية بعينها نتيجة لتشكيل المؤسسات العليا للغرف من أفراد ومؤسسات لديها صراعات تاريخية مع مكوّنات اجتماعية في دارفور وكردفان، وهم اليوم ضحايا للتمييز من جديد.
إن ضيق الأفق لا يبني وطناً، والإقصاء لا يُقابل إلا بردّات فعل مضادة، وهكذا تستمر معاناة الشعوب السودانية بفعل اخطاء المثقفين الذين يُعوَّل عليهم في صناعة التغيير.
عزيزي القارئ، لا يخفى علينا كيف توارثنا رفض المختلف جيلاً بعد جيل، منذ نشأتنا داخل بيوتنا السودانية، ولم تكن نتيجة ذلك إلا استمرار الحروب، وازدياد الفقر، والأمية، والتمليش.
جميع العاملين في الحقل التطوعي الإنساني في السودان ليسوا أعداء لبعضهم البعض بطبيعتهم، بل تجمعهم الإنسانية والرغبة المشتركة في التغيير، لذلك ينبغي علينا عدم تضييق نطاق التدخلات الإنسانية، بل توسيع إطار الاستجابة المحلية، وأن نُوقن بأن تقبّل الآخر المختلف ولو بتغيير يسير في سلوكنا الشخصي هو الجسر الذي يمكن أن يعبر بنا إلى جميع مدن وقرى السودان دون أن نتأثر بنتائج الحرب أو بخطوط السيطرة العسكرية لأطرافها المختلفة.
وبتسليط الضوء على الجوانب الإدارية والتنظيمية لغرف طوارئ السودان، وقبل التطرق إلى مكامن الخلل، دعونا نشير إلى الأشخاص والمنظمات والمبادرات التي تكوّن مجلس التنسيق، هل جرى تكوينه بمراعاة الجوانب الجغرافية والاجتماعية لدولة السودان؟ أم تشكل استجابة لحاجات المنظمات الأممية والأجنبية المموِّلة، ورغبات أشخاص وممثلين لمبادرات وطنية كان جلّ عملها رصد انتهاكات حقوق الانسان كمصدر لكسب العيش، حتى ترسّخت لديهم مستويات من التنميط والكراهية تجاه مجموعات سكانية محددة، هؤلاء الذين أصبحوا الآن في أعلى هرم غرف طوارئ السودان، هل نتوقع أن ينعم الشعب السوداني بتنوعه بعدالة في توزيع مساهمات صندوق دعم السودان والمانحين الاخرين؟
لقد استغلت بعض الكيانات والمنظمات الظروف النفسية والاقتصادية للأفراد، وحولتهم إلى أدوات تُنفّذ كل شيء لإشباع رغباتها وغرورها، بينما تحوّل آخرون من مطارق ظلت تضرب القيم الأخلاقية للمجتمع السوداني سنوات طويلة إلى أدوات للدفاع عن الشمولية وعسكرة المجتمع.
أعتقد أن من الأهمية بمكان المساهمة في وضع أساس جديد للمجتمع المدني السوداني والعمل التطوعي، ليكون ضمن مطلوبات بناء سودان ما بعد الحرب، أساس يحفظ القيم والأخلاق، ويعزز العدل والسلام والحرية والديمقراطية والمساواة.
نواصل…
femedia100@gmail.com