عندما تتحول مؤسسات الدولة الى شركة استثمارية قابضة

وزارة الثروة الحيوانية والسمكية نموذجا

0

المقدمة: استثمارات براقة أم إهمال للمهمة الأساسية؟

في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها السودان، لا يعد النشاط المكثف لوزارة الثروة الحيوانية في بورتسودان والترويج الإعلامي لمشاريعها الاستثمارية الكبرى – كحزمة الـ 17 مشروعاً في ولاية البحر الأحمر – دليلاً على التعافي، بل هو مظهر مقلق لفشل بنيوي وخيانة واضحة للتفويض الأساسي للوزارة. هذا التوجه، رغم مظهره البراق، ليس مجرد انحراف جديد، بل هو أحدث تجليات لنموذج تخطيط زراعي فاشل ترسخ لعقود، وهو نموذج أهمل باستمرار عصب الحياة في الريف السوداني. ومن المفارقات التاريخية أن هذا الخطأ لم يقتصر على أيديولوجية محددة؛ فقد تبنته الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية المتعاقبة، مما يؤكد أنه خلل متأصل في عقلية الدولة التخطيطية ذاتها.

يسعى هذا المقال إلى تشريح الهوة السحيقة بين الاستراتيجية المعلنة التي تقدس الاستثمارات الضخمة، والواقع الميداني الكارثي الذي يعانيه صغار المنتجين، وهم الركيزة الحقيقية للقطاع. سنكشف كيف تحولت أولويات الوزارة من خدمة القطيع القومي ودعم المجتمعات الريفية إلى تسهيل مشاريع تخدم مصالح خارجية في المقام الأول.

 استراتيجية الوزارة المعلنة في مقابل تفويضها التأسيسي

تُعد مقارنة الخطة التنفيذية الحالية لأي مؤسسة حكومية بأهدافها التأسيسية أداة استراتيجية كاشفة، فهي لا تكشف عن أولويات الحكومة فحسب، بل تظهر أيضاً مدى التزامها بمسؤولياتها الجوهرية تجاه القطاع الذي تشرف عليه والمجتمع ككل. وفي حالة وزارة الثروة الحيوانية، يتجلى هذا التباين بوضوح بين خطاب النهضة الاقتصادية وبين إغفال المهام الحيوية المنوطة بها.

محاور الاستراتيجية التنفيذية الحالية:

ترتكز الخطة الاستراتيجية الحالية للوزارة على عدة محاور، أهمها من واقع خطة التنفيذ، أربعة محاور أساسية، مصممة ظاهرياً لتحقيق “نهضة شاملة” في القطاع عبر حوالي 40 مشروعاً. وهذه المحاور هي:

  1. تعزيز القيمة المضافة واستهداف الأسواق: التركيز على زيادة قيمة المنتجات الحيوانية وتوجيهها نحو الأسواق الخارجية.
  2. تحديث القطاع ورفع الكفاءة الإنتاجية: يتم ذلك بالتعاون مع جهات وطنية رائدة مثل مجموعة “زادنا”.
  3. تطوير البنية التحتية اللوجستية: تحسين سلاسل الإمداد لضمان جودة المنتج النهائي.
  4. الحوكمة ومكافحة البيروقراطية: إنشاء إطار مؤسسي يضمن استدامة الإصلاحات وتسهيل الإجراءات.

الأهداف الجوهرية لتأسيس الوزارة:

في المقابل، تأسست وزارة الثروة الحيوانية والسمكية لتحقيق مجموعة من الأهداف الحيوية التي تضع المواطن والمنتج التقليدي في صميم اهتمامها. وتتمثل هذه الأهداف فيما يلي:

  • حماية صحة القطيع القومي: وهو الهدف الجوهري والأكثر أهمية، ويشمل توفير الخدمات البيطرية، وتأمين اللقاحات والأدوية، ومكافحة الأوبئة العابرة للحدود.
  • تحسين سبل عيش المنتجين التقليديين: عبر توفير فرص عمل ورفع مستوى دخل الأسر الريفية التي تعتمد على تربية الماشية.
  • تحقيق الأمن الغذائي: من خلال زيادة الإنتاج والإنتاجية لتلبية الاحتياجات المحلية من البروتين الحيواني.
  • التطوير المؤسسي: ويشمل تحديث التشريعات والسياسات وتطوير البنية التحتية الفنية اللازمة للقطاع.
  • إدارة الموارد السمكية: لضمان استدامتها للأجيال القادمة.
  • تحفيز الاستثمار: تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وهو هدف يأتي في نهاية قائمة الأولويات..

إن هذا التباين الصارخ يكشف عن هوة استراتيجية بين تفويض الوزارة وعملياتها الحالية، وهي هوة لها عواقب مدمرة على الفئات الأكثر ضعفاً في البلاد.

 تحليل الفجوة: تركيز على الهامش وتجاهل الجوهر

تُظهر المقارنة السابقة بوضوح أن استراتيجية الوزارة الحالية ضخّمت هدفاً هامشياً، وهو “تحفيز الاستثمار”، وجعلته غايتها النهائية، متجاهلةً بذلك أهدافها الجوهرية بشكل شبه كامل. لقد تخلت الوزارة فعلياً عن دورها الخدمي العام، وأعادت هيكلة نفسها لتصبح بمثابة “شركة استثمارية قابضة”، ينصبّ جل همّها على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتسهيل دخولها. وهذا ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو امتداد واعٍ للنموذج التنموي الفاشل الذي ظل يعيد إنتاج الأزمات في السودان لعقود. كل جهود الوزارة المعلنة تصبّ في خدمة هذا الهدف الأحادي؛ فمن تشكيل مجالس الأعمال إلى حل مشاكل الصادرات، تبدو كل خطوة مصممة لخدمة المستثمر الكبير وإهمال المنتج الصغير. وتُعد الأمثلة التالية دليلاً دامغاً على هذا التحول:

  • المشاريع الاستثمارية الكبرى: يُبرز المشروع الضخم في ولاية البحر الأحمر، الذي يضم 17 مشروعاً بالشراكة مع شركة بازا ناشيونال والمستثمر عثمان الفكي، كنموذج لهذا التوجه الذي يركز على المشاريع العملاقة.
  • تكوين مجالس الأعمال: تم تأسيس مجالس أعمال سودانية-عُمانية، وسعودية، وكويتية بهدف توجيه الاستثمارات، مما يحول الوزارة إلى وسيط استثماري بدلاً من أن تكون منظماً ومقدماً للخدمات للقطاع الاقتصادي.
  • شراكات استراتيجية لدراسات الجدوى: إن توقيع اتفاقية مع المجلس الاستشاري السعودي لإجراء دراسة جدوى لمشروع “مدينة الإنتاج الحيواني” يؤكد أن الأجندة تُصاغ لتلبية رؤى المستثمرين الخارجيين.

إن هذا التركيز الأحادي لا يمثل مجرد تغيير في الأولويات، بل هو تخلٍ كامل عن المسؤولية تجاه الشريحة الأكبر والأكثر احتياجاً؛ فبينما يُفرش السجاد الأحمر للمستثمرين، يُترك ملايين المنتجين التقليديين لمواجهة مصير مجهول، مما يجعلهم الضحية المنسية لهذه الاستراتيجية..

 الضحية المنسية للاستراتيجية: معاناة صغار المنتجين

يمثل صغار المنتجين قلب قطاع الثروة الحيوانية في السودان، فهم الركيزة الأساسية للإنتاج ومفتاح الأمن الغذائي. لكنهم باتوا الضحية الأكبر للاستراتيجية الوزارية الحالية وللنزاع المستمر. إن إهمالهم ليس مجرد سهو، بل هو نتاج مباشر لنهج يفضّل المشاريع العملاقة على الدعم القاعدي. فبينما تعقد الوزارة مجالس أعمال للمستثمرين الأجانب، تتدهور البنية التحتية البيطرية، مما يؤدي مباشرة إلى خسارة أصول هؤلاء المنتجين الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع. يواجه المنتجون الصغار تحديات مركبة تهدد وجودهم، تتلخص فيما يلي:

  • العوائق الهيكلية: يعاني هؤلاء من ضعف مزمن في الحصول على التمويل، وارتفاع هائل في تكاليف الإنتاج، وتهالك شبه كامل للبنية التحتية الداعمة.
  • فقدان الأصول الحيوانية: تسبب الصراع في نزوح ملايين المنتجين، وعُرِّضت مواشيهم للنهب المباشر أو النفوق بسبب الجوع والإهمال، مما يمثل خسارة لرأس مال أساسي لهذه الأسر.
  • انهيار الخدمات البيطرية: يعيش قطاع الخدمات البيطرية حالة من الانهيار شبه التام بسبب تدمير البنية التحتية البحثية، وتوقف برامج التطعيم، وانعدام الأمن الذي يعيق وصول الفرق البيطرية إلى مناطق الماشية.
  • التحديات البيئية والنزاعات: تتصاعد النزاعات على الموارد الطبيعية الشحيحة كالمياه والمراعي، مما يزيد من هشاشة وضع المنتجين التقليديين.

في مواجهة هذه الكارثة، يغيب أي أثر لرؤية استراتيجية لدى الوزارة لمعالجة هذه القضايا الجذرية. فبدلاً من التركيز على الاستثمارات الخارجية، كان الواجب يقتضي “وضع استراتيجية وطنية شاملة لاستقرار صغار المنتجين تركز على إعادة تأهيل المعامل، وتوفير التمويل الأصغر، وحل النزاعات حول الموارد”. إن تجاهل هذه الأولويات يثير تساؤلاً جوهرياً حول المنطق الذي تستند إليه الوزارة في تبني نهج منفصل تماماً عن واقع القطاع؟

يُظهر هذا التحليل تباينًا واضحًا بين استراتيجية وزارة الثروة الحيوانية، التي تقتصر كليًا على استقطاب الاستثمارات الضخمة، والمتطلبات الفعلية للقطاع. وقد أدى هذا التباين إلى إهمال صغار المنتجين، وتجاهل صحة القطيع الوطني، وتقويض ركائز الأمن الغذائي، مع ترسيخ نمط تاريخي من التبعية الاقتصادية حوّل موارد السودان لخدمة أجندات خارجية.

إن الاستمرار في المنهج الذي يُفضّل المشاريع العملاقة على حساب التنمية القاعدية لن يؤدي إلا إلى تكرار الظروف ذاتها التي ولّدت العنف والصراع في المقام الأول. لذا، من الضروري كسر هذه الحلقة المفرغة واعتماد استراتيجية تنمية زراعية جديدة وشاملة تستند إلى مبادئ أساسية مغايرة. إن الطريق نحو السلام والتعافي الوطني في السودان ليس مجرد اقتراح، بل هو ضرورة حتمية لتفادي انهيار الدولة وتجنب المزيد من النزاعات، ويتطلب بالضرورة تبني نموذج تنموي شامل وعادل يضع ازدهار سكانه واستقرارهم أولوية قصوى.

-مستشار التنمية الزراعية

saniali2010@gmail.com

مقالات ذات صلة:

https://sawtalwihda.com/%d8%b1%d8%a3%d9%8a/2587/28/

https://altanwir.news/14798/

https://sawtalwihda.com/%d8%b1%d8%a3%d9%8a/2950/13/

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.