كردفان: الموارد والتنمية المؤجلة ..وتطوير الإنسان كشرط للنهضة الاقتصادية
بقلم : عبدالعزير بخات المحامي
والمستشار القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان
تمثل كردفان، بامتدادها الجغرافي الواسع من التخوم الصحراوية شمالاً إلى أحزمة السافانا جنوباً، إحدى أهم الركائز البنيوية للاقتصاد السوداني، ليس فقط من حيث تنوع مواردها الطبيعية، بل من حيث موقعها كحلقة وصل تاريخية بين أقاليم الإنتاج وحركة التجارة الداخلية. وقد منحها هذا الموقع، إلى جانب خصائصها البيئية المتنوعة، قابلية عالية للتحول إلى مركز اقتصادي متكامل، إذا ما توافرت الإرادة السياسية، والاستقرار الأمني، وأُحسن توظيف الموارد في إطار تنموي عادل ومستدام. غير أن هذا الاحتمال ظل معطلاً بفعل الحروب الأهلية المتعاقبة، وصولاً إلى حرب الخامس عشر من أبريل، وبفعل قصور بنيوي في السياسات العامة تمثل في إهمال الاستثمار في الإنسان بوصفه العنصر الحاسم في أي عملية تنموية.
تعتمد البنية الاقتصادية لكردفان بدرجة أساسية على النشاط الزراعي والرعوي، حيث تشكل الزراعة المطرية والمروية أحد أعمدة الإنتاج المحلي، مستفيدة من المياه الجوفية والأودية الموسمية، إلى جانب الامتدادات الزراعية التقليدية. ويتركز الإنتاج في محاصيل استراتيجية تشمل الذرة والسمسم، إلى جانب الفول السوداني والكركدي اللذين يشكلان مورداً نقدياً مهماً للأسر الريفية وقابلاً للتوسع في القيمة والتصنيع الزراعي. كما تمثل زراعة القطن في منطقة جبال النوبة أحد الأنشطة الزراعية التاريخية ذات الإمكانات العالية، غير أنها تراجعت بصورة حادة نتيجة تدهور البنية التحتية الزراعية، وانعدام التمويل، وتعطل مؤسسات التصنيع المرتبطة بها. وقد تفاقمت هذه الإشكالات بفعل غياب برامج تدريب وتأهيل الكوادر الزراعية، وضعف الإرشاد الزراعي، ما أدى إلى استمرار أنماط إنتاج منخفضة الكفاءة، وعجز عن مواكبة التقانات الحديثة.
وتُعد الغابات والموارد الغابية من الميزات النسبية الاستراتيجية لكردفان، ليس فقط من الصمغ العربي، بل أيضاً من حيث تنوع المنتجات ذات القيمة الاقتصادية العالية، مثل التبلدي والعرديب المستخدمين في صناعة العصائر والأغذية الصحية، والقرض(شجر السنط) ولعلوب (الهجليج) المستخدمين في الصناعات الدوائية. غير أن ضعف الاستثمار في البحث العلمي، وغياب برامج التأهيل المهني في مجالات الصناعات الغذائية والدوائية، حال دون تحويل هذه الموارد إلى صناعات منظمة قادرة على توليد فرص عمل مستقرة وقيمة مضافة عالية. كما أن قطاع الأخشاب، رغم توفر موارده، ظل يعاني من الاستغلال العشوائي وغياب الكفاءات الفنية المدربة في إدارة الغابات والتصنيع الخشبي المستدام.
أما الثروة الحيوانية، فتظل أحد أعمدة القوة الاقتصادية في الإقليم،وكل السودان إذ تضم كردفان أعداداً ضخمة من الماشية بمختلف أنواعها، وتشكل مورداً أساسياً للأمن الغذائي وللصادرات. غير أن هذا القطاع ظل رهين نمط إنتاج تقليدي، بسبب محدودية الكوادر البيطرية المؤهلة، وضعف مؤسسات التدريب الفني، وغياب الاستثمار في تنمية المهارات المرتبطة بتطوير القيمة الحيوانية. وقد مثّل إيقاف مصنع ألبان بابنوسة دليلاً إضافياً على إخفاق الدولة في بناء قاعدة بشرية قادرة على تشغيل واستدامة الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الحيواني.
وتزخر كردفان بثروات باطنية متعددة، تشمل المعادن والنفط، وهي موارد تتطلب مستويات عالية من التأهيل الفني والإداري لضمان إدارتها بكفاءة وعدالة. إلا أن إهمال الدولة لتدريب الكوادر الوطنية في مجالات النفط والتعدين والرقابة البيئية أفضى إلى الاعتماد على أنماط إنتاج غير مستدامة، وإلى محدودية العائد التنموي، وتفاقم التوترات الاجتماعية في مناطق الإنتاج، في ظل ضعف مشاركة المجتمعات المحلية المؤهلة في اتخاذ القرار والاستفادة من العوائد.
وقد أسهمت الحروب الأهلية المتعاقبة، وحرب الخامس عشر من أبريل على وجه الخصوص، في تعميق أزمة التنمية البشرية في كردفان، عبر تعطيل التعليم، وتفكيك مؤسسات التدريب، وهجرة الكفاءات، وانقطاع سلاسل نقل المعرفة بين الأجيال. ونتيجة لذلك، لم يعد الخلل مقتصراً على نقص رأس المال أو البنية التحتية، بل امتد ليشمل تآكل رأس المال البشري نفسه، وهو ما يفسر محدودية أثر الموارد الطبيعية المتاحة على الواقع المعيشي للسكان.
ورغم هذا الواقع، تظل كردفان إقليماً ذا إمكانات كامنة عالية، يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب، شريطة تبني رؤية سياسية جديدة تضع التنمية البشرية في صميم السياسات العامة. ويقتضي ذلك إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتقني، وبناء مؤسسات تدريب مهني مرتبطة مباشرة بقطاعات الزراعة، والرعي، والصناعات الغابية، والنفط، والتعدين، إلى جانب تمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في التخطيط والتنفيذ، وربط الاستثمار في الموارد الطبيعية باستثمار موازٍ في الإنسان.
إن مستقبل كردفان الاقتصادي لا يتوقف على وفرة الموارد بقدر ما يتوقف على كفاءة إدارتها، وهذه الكفاءة لا يمكن تحقيقها دون كوادر مؤهلة وتنمية بشرية مستدامة. وفي هذا السياق، فإن إنهاء الحرب، وبناء دولة القانون، وإعادة توجيه السياسات العامة نحو الإنسان بوصفه محور التنمية، تمثل الشروط الأساسية لتحويل الإقليم من ساحة صراع على الموارد إلى فضاء إنتاج وتكامل اقتصادي، وجعل كردفان شريكاً فاعلاً في مشروع الدولة الوطنية الحديثة.
نواصل بمشيئة الله