حسن خليل
صحفي مصري
في خضم التصعيد العسكري المرتبط بالمواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران وما تلاه من تطورات متصاعدة، برز موقف الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، الذراع السياسية للإخوان، حيث حرصت الجماعة على إدانة الهجوم الذي استهدف طهران وأدى إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. غير أنّ هذا الوضوح قابله غياب شبه كامل لأيّ موقف معلن من الجماعة إزاء الهجمات الإيرانية التي طالت دولاً خليجية وعربية.
الجماعة الإسلامية في بنغلاديش أصدرت بيانات رسمية أعقبت الهجوم على إيران، وصفت فيه ما جرى بأنّه اعتداء غير قانوني وغير مبرر على دولة ذات سيادة وعلى الشعب الإسلامي. وتحدثت البيانات عن استهداف مدنيين وأبرياء، معتبرة أنّ الهجوم يشكل تهديداً يتجاوز حدود إيران ليطال المسلمين عموماً والاستقرار الدولي.
مسيرات تضامنية
في العاصمة البنغالية “داكا” نظمت الجماعة الإسلامية مسيرات احتجاجية شارك فيها أنصارها، رُفعت خلالها لافتات تندد بالهجوم الأمريكي وتطالب بوقف التصعيد العسكري. قيادات الحزب تحدثت في تلك الفعاليات عن ضرورة تحرك المجتمع الدولي، ودعت الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي إلى التدخل لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
خطاب الجماعة ركز على إدانة ما اعتبرته استهدافاً لإيران بوصفها دولة إسلامية، وأعرب قادتها عن حزنهم لمقتل خامنئي، مؤكدين أنّ اللجوء إلى الحوار الدبلوماسي هو السبيل الوحيد لمعالجة النزاعات. وحذرت البيانات من أنّ استمرار العمليات العسكرية سيقود إلى تداعيات إنسانية وأمنية تتجاوز الإقليم.
في المقابل، لم تصدر الجماعة أيّ بيانات رسمية تدين الهجمات التي شنتها إيران واستهدفت دول الخليج العربية، سواء عبر صواريخ أو طائرات مسيّرة في إطار التصعيد الإقليمي الأخير. هذا الغياب بدا لافتاً مقارنة بسرعة إصدار بيانات الإدانة المتعلقة بضرب إيران.
الحكومة البنغالية، من جهتها، عبّرت في بيانات رسمية عن إدانتها لانتهاك سيادة دول الخليج، ودعت إلى ضبط النفس والتهدئة، مؤكدة أهمية استقرار المنطقة لأسباب سياسية واقتصادية تتعلق ببنغلاديش نفسها، التي يرتبط اقتصادها بتحويلات ملايين العمال في دول الخليج. غير أنّ هذا الموقف الذي يمثل سياسة الدولة لم يعكس توجهات الجماعة الإسلامية.
تركيز الجماعة على التضامن مع طهران، في مقابل الصمت حيال الهجمات على الدول العربية، يعكس انتقائية في الخطاب السياسي. فبيانات الإدانة المتعلقة بإيران كانت تفصيلية، وتضمنت توصيفات قانونية وأخلاقية مقصودة، بينما لم يصدر بيان مماثل بشأن استهداف دول الخليج، رغم أنّ التصعيد الإقليمي شمل أكثر من ساحة، وأسفر عن سقوط أبرياء.
هذا التباين في المواقف يثير تساؤلات حول معايير الإدانة التي تعتمدها الجماعة. فبينما شددت على احترام سيادة إيران ورفض استهدافها، لم تُسجل في بياناتها إشارة مماثلة إلى سيادة الدول الخليجية التي أعلنت تعرّضها لهجمات، وهو ما يعني أنّ خطاب الإخوان يتحرك ضمن حسابات إيديولوجية بغضّ النظر عن الاعتبارات الأخلاقية.
تغاضي مقصود يتجاهل مصالح بنغلاديش
الموقف الإخواني تجاهل عن قصد كل ما يتعلق بعلاقات بنغلاديش الاقتصادية والدبلوماسية مع دول الخليج التي تستضيف عدداً كبيراً من العمال البنغلاديشيين وتشكل مصدراً رئيسياً للتحويلات المالية.
ويُقدّر عدد العمالة البنغالية في دول الخليج العربي بنحو 3.5 إلى 4 ملايين نسمة تقريباً، وتُعدّ المملكة العربية السعودية الوجهة الأولى لهم بنحو2.1 إلى 2.6 مليون مقيم، تليها الإمارات (حوالي 600-700 ألف)، ثم سلطنة عُمان والكويت والبحرين، حيث يمثلون قوة عاملة رئيسية في قطاعات الإنشاءات والخدمات والعمالة المنزلية. وكلها دول تعرّضت لاعتداءات جسيمة من إيران، لكنّ الجماعة الإسلامية لم تحرك ساكنًا إزاء ذلك، واستقرّ لديها خطاب سياسي واحد يقوم فقط على دعم إيران، على الرغم من تأكيد تقارير موثوقة عن حدوث إصابات وأضرار طالت مواطنين بنغلاديشيين وممتلكات مدنية في عدد من الدول الخليجية، إضافة إلى تأثيرات غير مباشرة على العمالة والنقل الجوي.
وكانت وزارة الدفاع في الإمارات العربية المتحدة قد أعلنت أنّه منذ بدء الهجمات الإيرانية على دول الخليج قُتل مواطن بنغلاديشي ضمن ثلاثة أشخاص يُعتقد أنّهم من جنسيات متعددة بينهم باكستاني ونيبالي، جراء القصف الصاروخي على الأراضي الإماراتية. وأُصيب نحو 58 شخصًا آخرين في الإمارات، بينهم مواطنون ومقيمون من جنسيات مختلفة، وذلك بالرغم من اعتراض قوات الدفاع لمعظم الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي الكويت أفادت تقارير بأنّ ما لا يقلّ عن أربعة بنغلاديشيين تعرضوا لإصابات نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة قرب مطار الكويت الدولي، حيث أصيب بعضهم بإصابات مباشرة بسبب شظايا ناتجة عن الانفجار.
إلى جانب الإصابات المباشرة أدّى إغلاق المجال الجوي في بعض دول الخليج مؤقتًا إلى إلغاء عشرات الرحلات الجوية من بنغلاديش إلى الشرق الأوسط، ممّا وضع آلاف المسافرين في موقف من عدم اليقين، وأثر على خطط السفر والعمل لموظفين بنغلاديشيين ينتقلون للعمل أو للزيارة.
وتُعدّ الجماعة الإسلامية بأذرعها الثلاثة في باكستان والهند وبنغلاديش أقرب الحركات الإخوانية لطهران، من حيث الإيديولوجيا والأهداف السياسية، والانتقاص من إمكانات الدول الوطنية لصالح أجندتها الخاصة.
حفريات