كمال بولاد: لا حكومة حقيقية قبل وقف الحرب والتوافق
كمال بولاد: لا حكومة حقيقية قبل وقف الحرب والتوافق كمال بولاد: لا حكومة حقيقية قبل وقف الحرب والتوافق
في حواره مع «أفريقيا برس» أكد كمال بولاد، الأمين السياسى لحزب البعث القومى وعضو الأمانة العامة لتحالف «صمود»، أن تشكيل حكومة جديدة دون وقف الحرب ليس حلًا حقيقيًا، وقال إن الانقلاب وما تبعه من حرب دمّرا شرعية الوثيقة الدستورية، مضيفًا أن الأهم اليوم هو إيقاف مأساة السودانيين وبناء جيش وطني بعقيدة وطنية.
وشدد بولاد على أن تحالف «صمود» يعمل لتوسيع المركز المدني وطرح رؤية واضحة لوقف الحرب وإعادة الحياة السياسية بانتقال متوافق عليه، وصولًا إلى انتخابات حرّة نزيهة تضمن وحدة السودان وتُنهي الانقسام الذي أفرزته الحرب.
ما هو موقفكم من الحكومة التي سيشكلها رئيس مجلس الوزراء الجديد؟
فشل انقلاب البرهان/حميدتي في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م ولمدة عامين في تشكيل حكومة نتيجة رفض الشارع السوداني للانقلاب على حكومة الانتقال التي نالت تفويضها من شرعية ثورة ديسمبر/أبريل المجيدة. وجاءت الحرب الكارثية بينهما وقتلت الآلاف من أبناء الوطن وشرّدت الملايين بين نازح ولاجئ وخرّبت المدن والمناطق التي اشتعلت فيها النيران بما فيها الخرطوم، وانتقلت قيادة الجيش إلى بورتسودان لتصبح شرعية الثورة ووثيقتها الدستورية خلف الجميع.
ويصبح الواجب الأهم الآن هو إيقاف مأساة السودانيين بإيقاف الحرب، وبالتالي تصبح قضية تشكيل حكومة هنا أو هناك محاولة للبحث عن شرعية غائبة وممزقة ورقتها الدستورية منذ قيام الانقلاب وطمست ملامحها باندلاع الحرب ونتائجها الكارثية.
في ظل هذا المناخ لا يستطيع السيد كامل إدريس ولا غيره أن يفعل شيئًا ما لم تتوقف الحرب ويتم توافق مدني واسع من أجل انتقال حقيقي متوافق عليه وعلى مهماته ابتداءً من عودة الحياة وإصلاح ما دمرته الحرب ووضع أساس لسلام شامل وبناء جيش وطني واحد بعقيدة وطنية وصولًا إلى انتخابات حرّة نزيهة وشفافة تفتح الطريق إلى تداول سلمي مستدام في سودان موحد.
أي محاولة لتشكيل حكومات مهما كانت المبررات ستفتح الطريق نحو التشظي والانقسامات، ولا توحد السودانيين ولا تستطيع أن تقدّم شيئًا لضحايا الحرب في ظل أصوات الرصاص ومآسي توسع نطاقها وسيناريوهاتها مهما ادّعت الأصوات المنادية بها. ناهيك عن أنها حكومات تُعيَّن وتُحمى من أطراف حاملي السلاح وإرادتهم وليست إرادة الشعب، ومن يعيّن، وبالذات في ظل الحرب، له دوافع في إدارتها من زاويته ويمكن بتغييرها أن يُلغى التعيين، ولنا في تاريخ الأنظمة الشمولية التي جثمت على البلاد كثير من الأمثلة في ظروف أفضل من التي نمر بها الآن من التعقيد والتحديات المتجددة.
هل الحكومة المدنية بقيادة كامل إدريس ستجد قبولًا دوليًا؟ وهل ستخرج السودان من أزماته؟
المجتمع الدولي أصبحت المسافات بين أقطاره بفعل التطور التقني وثورة المعلومات الضخمة كل يوم تضيق أكثر فأكثر، وهذه قضية مهمة في المعرفة بالآخر واهتماماته وأولوياته، مع التأكيد على قضية المصالح التي تحكم مسار العلاقات، ولكن أصبحت هناك تقديرات لهذه المصالح تتجاوز إلى حد كبير سياسات القرن الماضي والتركيز على المواد الخام وغيرها. وبفعل التطور التقني هذا أصبح دور الكاريزما الشخصية إلى حد كبير محدودًا.
والأهم بالنسبة لنا في السودان أن ندرك طبيعة الأزمة، وهي أولًا: كيف نحافظ على البلد موحدًا؟ وكيف نوقف الحرب المأساوية الدائرة الآن؟ وكيف نتجاوز الانقسام المجتمعي الذي أفرزته؟ وكيف نبني ما دمرته الحرب؟ ومن أين نُموِّل هذا الإعمار؟ وكيف نخاطب هذا العالم بلسان مدني مُبين وحريص على دوره الإيجابي فيه؟ وكيف ننصف أسر الشهداء والضحايا؟ وكيف نقدّم المجرمين الذين تسببوا في هذه المأساة إلى العدالة؟ هذه القضايا لا يستطيع السيد كامل إدريس، ولو كوّن حكومته من حكماء العالم، أن يفعل فيها شيئًا ما لم يتوافق السودانيون ويتواضعوا على الجلوس لمناقشة هذه القضايا قضيةً قضيةً ومفردةً مفردةً وصولًا إلى توافق يقود إلى سلام يخاطب جذور أزمتهم الشاملة.
قيادات سياسية في شرق السودان تهاجم البرهان في وقت تم القبض عليها.. كيف تُعلّق على عملية القبض والاعتقال؟
ما يحدث في بورتسودان هو نتيجة التناقضات التي تشكّل المركز هناك: واقع إنشاء الميليشيات وتسليحها تحت مبررات خوض الحرب، وغياب هيكل الدولة الكامل وهيبتها، وفوضى التفلت العسكري والسياسي، كل هذه المشاكل صنعت هذا المناخ المأزوم، الذي لا يُعالج إلا بإيقاف الحرب وعودة الدولة والقانون.
ولكن تحالف «صمود» فشل في وقف الحرب.. لماذا؟
«صمود» الآن يفكّر في توسيع المركز المدني الموحّد لإيقاف الحرب ويعمل من أجل ذلك، ويخاطب العالم بمأساة السودان وموت العالقين في مناطق الحرب بسبب الجوع، وقد وضع رؤية وخارطة طريق لإيقاف الحرب وعودة العملية السياسية وبناء جيش وطني واحد بعقيدة وطنية يحمي البلاد ويتفرّغ لمهامه بعيدًا عن السياسة، ويعرضها الان على الشعب بكافة فئاته فى النزوح واللجوء وفى الداخل ما استطاع إلى ذلك سبيلا والقوى الوطنية الداعية إلى إيقاف الحرب وطرفى الحرب والشركاء الإقليمين والدوليين كما قلت لك وتدعو بعد إيقاف الحرب إلى التوافق على الانتقال ومهمّاته وصولًا إلى إرادة جماهيرية بانتخابات حرّة ونزيهة وشفّافة.
ما تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على السودان؟ وكيف تتعامل الحكومة السودانية مع ما يجري في المنطقة؟
الحرب التي اندلعت بين إيران وإسرائيل لا بد من النظر إليها بأفق إستراتيجي والتحسّب لكافة تداعياتها على المنطقة ومستقبل الصراع العربي الصهيوني وطبيعة الأنظمة السياسية في المنطقة ومناهجها في حكم الشعوب وفشلها في توطين التقنية وتراجع دورها أمام العالم في هذا المضمار. ولا بد من التوقّف الجاد عند أسباب التفوّق التقني والاستخباراتي والعسكري للكيان الصهيوني وزحفه ليكون الحاكم والرقيب على كامل المنطقة مستندًا إلى طموحه منذ التأسيس في التوسّع والدعم الأمريكي.
وهذا في تقديري أوّل ما يتطلّب أن يُطرح بإلحاح قضية مراجعة تفكيرنا وأدواتنا وتجاربنا والنظر بعمق أكبر إلى أسباب هذا التفوّق والاستعداد والتسلّح لمعارك المستقبل التي تبدو أكبر وفي ميادين مختلفة وأعمق من هذه المعركة الدائرة اليوم، بالرغم من أنها جغرافيًا نراها بعيدة عن بلادنا لكنها سوف تتوسّع وسنكتشف يومًا ما أننا مقبلون على حرب أشرس من كل حروب التاريخ في المنطقة، تمتحن تاريخنا وثقافتنا وعلاقتنا مع العصر إن كانت منتِجة أم متلقّية.
ولكن ستكون المواجهة قدرًا يستوجب الاستعداد، ولابد من الخروج من عمق النفق إلى تفكير يفسّر هذا التفوّق الصهيوني والتراجع والتشرذم وضعف الأنظمة العربية وكل أنظمة المنطقة، رغم ارتفاع رايات التحرر والتوحّد وتقديم النماذج والتضحيات منذ أربعينيات القرن الماضي. لابد من مراجعات كبيرة والنظر إلى المستقبل بتفكير جديد ومشروع عصري متحرّر من الجمود والتكلّس الذي تمنحه الثقة الزائفة، ولابد أن تصنع هذا المشروع أفكار شابة ومتفائلة. أتوقّع في إطار الحرب الدائرة في بلادنا أن يتم التعامل مع هذه المواجهة الكبيرة في المنطقة بتكتيكات محدودة على ضوء مواقف طرفي الحرب التي لا تنطلق من مشروع فكري ونظري مسبق، وبالتالي على القوى السياسية والمفكّرين أن ينظروا إليها بأفق إستراتيجي، وهذا الأهم من سؤال: أين التموضع منها؟
نقلاً عن منصة أفريقيا برس – السودان