إن قضايا العدالة والفقر والأمن والأرض والاقتصاد وسيادة حكم القانون في منطقة الساحل الإفريقي، التي تمتد من المحيط الأطلسي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا، تقع ضمن الشريط الجغرافي الواقع جنوب الصحراء الكبرى، الذي يفصل بين شمال إفريقيا العربي الإفريقي وجنوبها الإفريقي، حيث الدول الخمس الأساسية هي: موريتانيا، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد، ويُضاف إليها الامتداد الموسَّع الذي يشتمل على جميع دول الحزام الانتقالي بين الصحراء الكبرى شمالًا والسافانا الإفريقية جنوبًا ، بما فيهم السودان وجنوب السودان واثيوبيا واريتريا وبقية الدول التي تقع تقريبًا بين خطي العرض 12و20 درجة شمالًا، وخطي الطول 15 درجة غربًا إلى 40 درجة شرقًا، حيث تغطي مسافة جغرافية تقارب 6,000 كيلومتر في امتداد طولي من المحيط الأطلسي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا.
لقد تداخلت القضايا وترابطت بعمقٍ بعيد، وامتدت جذورها إلى العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والبيئية والثقافية وغيرها، ولكن ما يهمّنا في هذا العمود، الذي سوف يمتد إلى حلقاتٍ متواصلةٍ من المقالات، هو أن نحاول سرد تفاصيل جذور هذه القضايا وأثرها على استقرار المنطقة، وبما أنّها لا تنفصل عن بعضها البعض بحيث لا يمكن فهم أو معالجة إحداها بمعزلٍ عن الأخرى، فإنّ قضيتي العدالة وسيادة حكم القانون تُعتبران المدخل الأوحد إلى الأمن والاستقرار، وهما الشرط الأساسي واللازم لتحقيق السلام والتنمية المستدامة في المنطقة، لذا، نودّ تناول هذين المفهومين في مقدّمة الحديث
عرفت البشرية على مرّ التاريخ أنَّ العدالة وسيادة حكم القانون هما الأساسان اللذان تقوم عليهما المجتمعات المستقرة والدول المزدهرة، فمنذ فجر الحضارات، ارتبط تقدم الأمم بمدى احترامها للقانون وضمانها للحقوق والمساواة بين أفرادها، ثم توجه رأي المهتمين والمفكرين الى تحصين المبدأ الذي يقوم على إعطاء كل ذي حق حقّه دون تمييز، وعطفاً عليه عرفت المؤسسات العدلية اهمية مبدأ عدم التجزئة في العدالة وسيادة حكم القانون، تحت حماية قوة الشعب نفسه.
إن إرساء هذا الأساس القوي وحمايته بموجب الدساتير الديمقراطية يُعد ضمانة لاستقرار الدولة وصون حقوق مواطنيها، وقد أصبحت واقعيةُ احتكام جميع عمليات العدالة إلى القانون أو العُرف حقيقةً ماثلةً أمام الجميع، كما أن استقرارَ سيادةِ حكمِ القانون داخل أي دولة يُعدُّ ركيزةً أساسيةً لتحقيق الأمن والتنمية والعدالة الاجتماعية بخلق واقعٍ عمليٍّ يجعل الجميع خاضعين لنفس القواعد القانونية، دون امتيازٍ لأحدٍ بسبب منصبه أو انتمائه أو ثروته.
إنّ تاريخ تأثّر العوامل الجوأمنية بالعوامل الجيوسياسية في دول الساحل الإفريقي المـوسَّع يعود إلى سياسات الحقبة الاستعمارية في المنطقة، التي امتدَّ تأثيرها إلى حكومات ما بعد الاستعمار. وقد فشلت تلك الحكومات في توسيع قاعدتي العدالة وسيادة حكم القانون، الأمر الذي انعكس على مجتمعات المدن والأرياف نتيجة ضعف مؤسسات الدولة، وانعدامها في بعض المناطق. وأسهم ذلك في ظهور الجماعات الإرهابية وحركات التمرد والعصابات الإجرامية، فأصبحت المناطق الخاضعة لنفوذ هذه الجماعات والحركات والعصابات تتسم بتوابع الفوضى والإفلات من العقاب، مما أفرز حالة من السيولة الأمنية في بيئةٍ مترهلةٍ تعاني هشاشة الحكومات العسكرية في المنطقة وضعف مؤسساتها.
وقد تحوّلت المنطقة إلى ساحةٍ تنتشر فيها تجارة المخدرات والأسلحة غير المشروعة، والعصابات الإجرامية المنظَّمة، ولوحظ في الآونة الأخيرة تنامي نشاط جماعات متخصصة في الاتجار بالبشر وغسل الأموال والتعدين الأهلي غير المنظَّم. ومن خلال قراءة الواقع وتأثره المباشر بالماضي، يتضح أن ضعف المؤسسات القضائية والشرطية والسياسية هو السمة الغالبة في دول الساحل الإفريقي، وهي السمات المشتركة التي تجعل من هذه الدول وحدةً تصنيفية ذات نتائج سلبية تصب في مصلحة النخب الإفريقية التي نشأت بعد خروج المستعمر.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن مقومات سيادة حكم القانون في المنطقة تتفاوت من دولةٍ إلى أخرى، وتراوح بين العدم والنسبية. ولا يمكن الحديث عن وجود حقيقي لسيادة حكم القانون ما لم تتوفر المساواة أمام القانون، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات، وخضوع مؤسسات الدولة ذاتها للقانون بموجب الدستور الذي يرسخ مبدأ الشرعية والمساءلة.
ونواصل
+256781007012