
كمبالا: المركز السوداني للإعلام الديموقراطي
لم يعد الحديث عن الفساد في السودان مرتبطاً فقط بالرشوة أو التجاوزات الإدارية التقليدية، بل بات متصلاً مباشرة بالحرب، والسلاح، والذهب، وانهيار مؤسسات الدولة.
وهذا ما حاولت تفكيكه حلقة نقاشية نظمها “المركز السوداني للإعلام الديمقراطي”، بمشاركة صحفيين وباحثين وناشطين، ناقشوا خلالها كيف تحولت شبكات الفساد إلى جزء من بنية السلطة والصراع في السودان.
وقال المنظمون في افتتاح الحلقة، إن الفساد لم يعد مجرد سلوك فردي، بل أصبح نمطاً متشابكاً مع الإدارة العامة والاقتصاد والأجهزة الأمنية ومؤسسات العدالة، مشيرين إلى أن الحرب عمّقت شبكات الفساد وربطتها بانتهاكات حقوق الإنسان وحرمان المواطنين من الخدمات الأساسية وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة.

ودفعت الصحفية رشا عوض النقاش نحو ما وصفته بـ “الكليبتوقراطية المسلحة”، معتبرة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة تمارس “القدر الأكبر من الفساد بقوة السلاح”، بينما تنمو تحت سلطتها بقية أشكال الفساد الإداري والمالي.
وقالت إن الحرب خلقت بيئة مفتوحة لتحويل الموارد العامة إلى أدوات للنفوذ والسيطرة، بحيث أصبحت القوة العسكرية مرتبطة مباشرة بالتحكم في الذهب والإيرادات والأسواق.
ووجدت رؤية عوض صدى واسعاً بين المشاركين، الذين رأوا أن الحرب لم تنتج الفساد بقدر ما كشفت البنية التي ظل يعمل عبرها لعقود داخل مؤسسات الدولة.
وقال الصحفي خالد تارس إن السودان قبل الحرب كان يعيش أصلاً في “حالة فساد شامل”، شملت القضاء والشرطة والجيش والضرائب والجمارك، مع غياب كامل للمساءلة والمحاسبة، مضيفاً أن الحرب أزالت ما تبقى من القيود القانونية والرقابية، لتتحول الجبايات والإيرادات إلى أدوات ابتزاز ونهب، بينما توسعت عمليات تهريب الذهب وبيع المساعدات الإنسانية في الأسواق.
وأضاف تارس أن السيطرة على البنوك ونهب الذهب والموارد العامة بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، معتبراً أن أطراف الصراع تعاملت مع موارد الدولة باعتبارها “غنائم حرب”، ما أدى إلى اتساع شبكات التهريب والابتزاز واقتصاد الظل. وبرأيه، فإن الفساد المرتبط بالحرب لم يعد مقتصراً على النخب السياسية والعسكرية، بل امتد إلى مستويات اجتماعية أوسع بفعل الانهيار الاقتصادي وغياب القانون.
أما الصحفي آدم مهدي، فاعتبر أن التركيز على نتائج الفساد دون أسبابه يقود إلى قراءة ناقصة للأزمة السودانية، وقال إن الحرب نفسها “نتاج مباشر لبنية فساد عميقة” داخل الدولة السودانية، وإن اقتصاد الحرب وصناعة الأزمات يرتبطان بشبكات داخلية وخارجية تستفيد من استمرار النزاع.
وأضاف أن فهم جذور الفساد يمثل المدخل الحقيقي لفهم الحرب وآليات استمرارها، لأن الحرب – بحسب وصفه – لم تتحول فقط إلى صراع عسكري، بل إلى منظومة اقتصادية وسياسية قائمة بذاتها.
وفي مداخلة حملت أبعاداً سياسية واجتماعية أوسع، قال الدكتور عبد الناصر علي الفكي إن السودان ظل من أكثر دول العالم فساداً حتى قبل الحرب، معتبراً أن الحرب اندلعت أساساً لحماية شبكات المصالح المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية والشركات التابعة لها.

واستشهد الفكي بتصريحات سابقة لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك حول عدم دخول 80% من موارد الدولة إلى وزارة المالية، مؤكداً أن “تجنيب الإيرادات، وتحويلها خارج الخزينة العامة، شكل أحد أبرز مظاهر الفساد البنيوي في السودان.
وقال الفكي إن الحرب رفعت القيود المحدودة التي كانت موجودة، ليصبح الفساد “يمارس على قدر البندقية”، خصوصاً في قطاع الذهب والتعدين، حيث تدير القوى المسلحة الموارد بعيداً عن مؤسسات الدولة.
وأضاف أن الفساد في السودان تجاوز البعد الاقتصادي والإداري، ليتحول إلى “فساد هوياتي” يرتبط بالانتماءات الاجتماعية والإثنية والسياسية، في ظل تدخلات إقليمية ودولية تستفيد من استمرار الحرب والفوضى.
الصحفي أحمد يونس ركز على التحولات الاجتماعية التي صاحبت تمدد الفساد، قائلاً إن أخطر ما فعلته سنوات حكم الإنقاذ شهد “تطبيع المجتمع مع الفساد.
وأوضح أن الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ تحولت من أفعال مستهجنة إلى ممارسات توصف أحياناً بـ”الشطارة” و”الفهلوة”، وأضاف أن المجتمع السوداني الذي كان ينظر إلى المرتشي باعتباره شخصاً منبوذاً، أصبح يتعامل مع الفساد باعتباره وسيلة طبيعية للعيش والنجاة، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي والحرب وضعف القانون.
وأشار يونس إلى أن الفساد لم يعد مقتصراً على مؤسسات الدولة، بل تحول تدريجياً إلى ثقافة اجتماعية تغذيها الحرب والفقر وتآكل القيم العامة، معتبراً أن معالجة هذه الظاهرة لن تتم فقط عبر القوانين أو الأجهزة الرقابية، بل تحتاج إلى عملية طويلة لإعادة بناء منظومة القيم والثقة العامة.
وفي واحدة من أكثر الشهادات الميدانية تفصيلاً جاءت من الصحفي آدم مهدي، الذي تحدث عن نماذج عملية للفساد في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، خاصة في مدينة نيالا.
وقال مهدي إنّ الإدارة المدنية التي أُنشئت هناك عملت خارج النظم المالية والمحاسبية الرسمية، حيث تجمع الإيرادات من الأسواق والمناجم والخدمات العامة، ثم توزع بين قادة الدعم السريع والإدارة المدنية وموظفين محليين دون أي رقابة أو شفافية.
وأوضح أن عمليات تحصيل الأموال تتم عبر إجراءات موازية لمؤسسات الدولة، دون وجود خزائن حكومية أو أنظمة محاسبية أو مراجعة مالية، مضيفاً أن الأمر لم يقتصر على الإيرادات فقط، بل شمل عمليات واسعة للاستيلاء على الأراضي العامة والساحات الحكومية عبر التزوير والتلاعب بسجلات الأراضي والعقود الرسمية.
واعتبر ما يحدث في نيالا يمثل نموذجاً مصغراً لتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات تخدم شبكات النفوذ والسلاح.
وبحث المشاركون العلاقة المعقدة بين الفساد والنهب المسلح، حيث رأى بعضهم أن الفساد يرتبط أساساً بتغيير الإجراءات القانونية والإدارية لتحقيق مصالح خاصة، مثل تحصيل الإيرادات خارج القنوات الرسمية أو التلاعب بالعقود والرسوم الحكومية، بينما اعتبر آخرون أن استغلال السلاح أو المنصب الأمني لتحقيق مكاسب شخصية يظل شكلاً من أشكال الفساد المرتبط بإساءة استخدام السلطة.
وانتهى النقاش إلى اتفاق واسع على أهمية الصحافة الاستقصائية والتوثيق، باعتبارهما الوسيلة الأكثر واقعية حالياً لمواجهة الفساد، ودعا المشاركون إلى بناء قواعد بيانات وتحقيقات موثقة حول الذهب والموارد والمساعدات الإنسانية والتهريب، تمهيداً لاستخدامها مستقبلاً في المحاسبة واسترداد الحقوق، مع تعزيز التعاون بين الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني، وتطوير مهارات التحقيق الرقمي وتحليل المصادر المفتوحة في ظل صعوبة الوصول الميداني أثناء الحرب.




