
الإطار المفاهيمي للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار في السودان
فلسفة التحول في المنظور التنموي
حسن علي سنهوري
كما أوضحنا في كتابنا “التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان: رؤية استراتيجية للتخطيط الزراعي”، تُعدُّ عقلية النخب السودانية -التي تحصر القطاع الزراعي في كونه مجرد محرّك اقتصادي- من أكبر تحديات التنمية في البلاد. إن هذه الرؤية القائمة على “التفكير الخطي” أدت إلى تهميش مناطق الزراعة المطرية، وهو ما لم يقتصر أثره على إفقارها تقليدياً، بل تجاوز ذلك إلى تفكيك آليات الصمود الاجتماعي وتحويلها إلى بؤر للنزاع. ومن هنا، اقترحنا الانتقال نحو “التفكير المنظومي” الذي ينظر إلى الزراعة بوصفها شبكة متداخلة من التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وفي هذا السياق، نرى أن الاستثمار الزراعي يجب أن يكون ركيزة للإعمار بعد الحرب، مستلهمين في ذلك نموذج “القرية الخضراء” في رواندا، الذي وظّف الاستثمار التنموي كأداة لترميم الثقة المجتمعية وتخفيف حدة النزاع حول الموارد في بيئة ما بعد الإبادة الجماعية.
ولتحقيق ذلك، نستعرض فيما يلي النقاط التي تشكّل الإطار المفاهيمي لرؤيتنا حول الاستثمار الزراعي كأساس لإعادة الإعمار في السودان:
أولا: إعادة تعريف الدولة: العقد الاجتماعي وإدارة المكونات السيادية
كما ذكرنا سابقاً، يُمثّل القطاع الزراعي نظاماً فرعياً من نظامٍ أكبر هو الدولة، ولا يمكننا مناقشة دور هذا القطاع في مرحلة إعادة الإعمار ما بعد الحرب دون تأطير مفهوم الدولة وفق رؤيتنا الكلية. إنَّ أكبر التحديات التي واجهت السودان تاريخياً ترتبط بنموذج الدولة الذي ورثناه عن الحقبة الاستعمارية، وهو مفهومٌ رسَّخته النخب التي تلقت تعليمها العالي في الخارج، وسعت لتطبيق نموذج الدولة الغربية، مُركّزةً على المعايير الاقتصادية الصرفة مع تجاهل خصوصية التكوين الاجتماعي للسودان. ولتوضيح هذا المفهوم، نستعرض النقاط الآتية:
- تقوم الدولة الحديثة على ثلاث ركائز أساسية: الشعب (مجموعة من الناس)، والأرض (حدود جغرافية معترف بها)، والسلطة (المسؤولة عن تحقيق رفاهية الشعب، وحفظ أمنه الداخلي، وحمايته من التهديدات الخارجية). هذا يعني أنَّ السلطة الحاكمة تستمد شرعيتها من رضا الشعب ومشاركته، وتكمن غايتها في خدمة المواطنين عبر إدارة موارد الدولة بعدالة، ووضع القوانين التي تنظم الحياة العامة وتطبق على الجميع دون استثناء، وذلك ضمن عقد اجتماعي يلتزم فيه المواطنون بإطاعة القانون، ودفع الضرائب، والدفاع عن الوطن، مقابل تحقيق الهدف الأسمى وهو الرفاه العام.
- أنَّ النموذج الغربي الذي ورثناه تاريخياً جعل السلطة الحاكمة -التي يُشار إليها مجازاً بالدولة- تفرض سيطرتها على الشعب لخدمة مصالحها الخاصة، وذلك عبر تحويل الواقع المعقد إلى خرائط إحصائية وجداول جباية جامدة. وقد أدى هذا النهج إلى تقديس “المعرفة العلمية الرسمية” القائمة على الأرقام الصماء، وتهميش “المعرفة العملية المحلية” التي يمتلكها المنتجون (المزارعون والرعاة) لإدارة مواردهم بفاعلية. وكانت النتيجة تهميشاً منهجياً لمناطق الزراعة المطرية، مما حولها من سلة غذاء إلى بؤر للنزاعات المسلحة.
- إن استدامة الدولة بعد الحرب تعتمد على قدرتها على أن تكون “خادماً” لهذا التعقيد الاجتماعي لا “مهندساً” يحاول تدميره؛ فالدولة القوية ليست هي المتسلطة، بل هي القادرة على تحقيق “العدالة المكانية” واحترام احتياجات المجتمعات المحلية. إن هذا التحول يتطلب دولة تدرك أن استرداد شرعيتها يبدأ من الوفاء بمسؤولياتها تجاه الأرض والإنسان
ثانيا: الأهداف الاستراتيجية للاستثمار:
عند الحديث عن إعادة الإعمار والاستثمار في مرحلة ما بعد الحرب، نحتاج أولاً إلى وضع أهداف واضحة، من أهمها:
- معالجة الجذور البنيوية: تفكيك بيئات العنف من خلال حل نزاعات الأرض والمياه.
- إنهاء اقتصاد الحرب: توفير بدائل مشروعة للمقاتلين السابقين عبر دمجهم في العملية الإنتاجية.
- ترميم الثقة: بناء رأس المال الاجتماعي من خلال تحقيق عدالة توزيع الاستثمارات جغرافياً.
- الانتقال من الإغاثة إلى التنمية: توجيه الموارد نحو المشاريع الإنتاجية لمنع نشوء بؤر هشاشة جديدة.
ثالثا: التنمية الشاملة كأداة لرتق الصدع الوطني
يُمثّل مفهوم “التنمية الشاملة المتوازنة” جسراً يربط الشعب بالدولة في بيئات ما بعد النزاع؛ إذ يُعدُّ غياب العدالة التوزيعية والتهميش التنموي للأقاليم من الأسباب الجذرية للنزاعات. وتُعرف التنمية المتوازنة إجرائياً بأنها السياسات العامة الموجهة جغرافياً واجتماعياً لردم الفجوات الاقتصادية بين الأقاليم والفئات، وضمان عدالة توزيع عوائد الثروة. وبذلك، تتجاوز التنمية دلالاتها الرقمية كنمو اقتصادي، لتصبح أداة سياسية واستراتيجية لإعادة دمج المجموعات المهمشة في كيان الدولة، وتحويل العلاقة من سياق المظلومية التاريخية إلى شراكة وطنية عادلة؛ مما يستوجب توجيه الاستثمار نحو تحويل وقف القتال إلى نمو مستدام يُرسّخ الاستقرار.
رابعا: مفاهيم الاستثمار الزراعي:
يمكن التمييز في الاستثمار الزراعي بين مفهومين: الاستثمار في الزراعة (Investment IN)، والاستثمار لأجل الزراعة (Investment FOR). يشير الاستثمار في الزراعة إلى الإنفاق المباشر على مدخلات وأصول الإنتاج، مع التركيز على المكونات الملموسة كالتربة والمحاصيل والماشية، فهو استثمار في القوة الإنتاجية الصرفة. أما الاستثمار لأجل الزراعة فهو مفهوم أوسع؛ إذ يشمل أوجه الإنفاق التي تدعم النمو الزراعي بشكل غير مباشر عبر تهيئة البيئة المحيطة، مثل الطرق الريفية، والكهرباء، والبنية التحتية للأسواق، ومرافق التخزين، والاتصالات، وشبكات إمداد المياه. وتعد هذه النفقات ضرورية لضمان فاعلية الاستثمارات المباشرة، انطلاقاً من رؤية القطاع الزراعي بوصفه نظاماً متكاملاً.
خامسا: الاستثمار المسؤول.. وداعاً لسياسات “الاقتناص:
يجب التمييز بوضوح بين “الاستثمار المسؤول” ومشاريع “الاقتناص” التي سادت في العقود الماضية؛ فمشاريع مثل “الراجحي” و”أمطار”، أو توسع منظومة “زادنا” العسكرية، ركزت غالباً على زراعة الأعلاف كـ “البرسيم” لتصديرها وتلبية احتياجات دول أخرى، دون تحقيق أي أثر ملموس على الأمن الغذائي السوداني أو رفاهية المجتمعات المحلية.
إن “الاستثمار المسؤول” هو درع للسيادة الاقتصادية، ويقوم على: حماية الحيازات العرفية ومنع المصادرات غير القانونية التي تؤجج النزاعات الريفية، ودعم صغار المنتجين واعتبارهم المستثمر الأهم في السودان بوصفهم المورد الأساسي لمحاصيل الامن الغذائي والحبوب الزيتية وغير ذلك التي يحتاجها الشعب، فضلاً عن الانتقال من تصدير المواد الخام إلى الصناعات التحويلية (كالزيوت والمطاحن والمسالخ) لخلق فرص عمل، وإشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار لضمان نيل “الرخصة الاجتماعية للعمل”.
ختاما: العقد الاجتماعي يبدأ من الحقل
لا يتحقق السلام المستدام في السودان داخل قاعات التفاوض، بل هو ثمرة إعادة صياغة العلاقة بين الشعب والسلطة عبر بوابة العدالة التنموية. إن “العقد الاجتماعي” الجديد لن يُكتب في القصور، بل سيُغرس في حقول المزارعين حين يشعرون بأن دولتهم باتت “خادماً” لاحتياجاتهم، لا “مهندساً” يتربص بمواردهم. إن تحويل الدولة من كيانٍ “جباية” يعاني من “عمى إداري” إلى كيانٍ يرعى التعقيدات الاجتماعية هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة الوطنية وبناء مستقبل مستقر.
-مستشار التنمية الزراعية
saniali2010@gmail.com






