
لم يمضِ سوى يوم واحد على انطلاق كأس العالم 2026، حتى تحولت “استراحات التبريد” الجديدة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في البطولة، وسط انتقادات واسعة من جماهير كرة القدم ومتابعين اعتبروا أن الهدف الحقيقي من هذه الفواصل لا يقتصر على حماية اللاعبين من درجات الحرارة المرتفعة، بل يمتد إلى منح القنوات الناقلة مساحات إضافية لبث الإعلانات.
وخلال المباراة الافتتاحية التي جمعت بين المكسيك وجنوب أفريقيا، ظهرت أولى بوادر الجدل المرتبط بالنظام الجديد، بعدما تسببت إحدى فترات التوقف في حرمان المشاهدين من متابعة جزء من أحداث اللقاء بسبب استمرار البث الإعلاني أثناء استعداد اللاعبين لاستئناف اللعب.
تأخير استئناف اللعب بسبب الإعلانات
وشهدت الاستراحة الثانية في المباراة الافتتاحية موقفًا أثار الكثير من الانتقادات، إذ كانت جميع عناصر الفريقين جاهزة لاستكمال المواجهة، خصوصًا منتخب جنوب أفريقيا الذي كان يسعى للعودة في النتيجة بعد استقبال هدف ثانٍ سجله المهاجم المكسيكي راؤول خيمينيز.
وبحسب ما أبرزته شبكة RMC الفرنسية، طلب الحكم البرازيلي ويلتون سامبايو من اللاعبين الانتظار لنحو 40 ثانية إضافية قبل استئناف المباراة، بعدما أجرى محادثة مع أحد المسؤولين على جانب الملعب، في خطوة هدفت إلى منح الناقل التلفزيوني مزيدًا من الوقت لاستكمال الفاصل الإعلاني.
ورغم السماح باستئناف اللعب لاحقًا، فإن بعض المشاهدين لم يتمكنوا من متابعة اللحظات الأولى بعد عودة اللاعبين بسبب استمرار البث الإعلاني، ما أثار موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.
حماية اللاعبين أم مكاسب تجارية؟
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” برر اعتماد استراحات التبريد خلال البطولة بالحاجة إلى حماية اللاعبين من آثار الطقس الحار خلال الصيف في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
كما سمح “فيفا” للقنوات الناقلة ببث إعلانات خلال هذه الفترات، على أن تعود التغطية المباشرة للمباراة قبل 30 ثانية من استئناف اللعب.
إلا أن ما حدث في المباراة الافتتاحية أعاد فتح باب التساؤلات حول مدى التزام الناقلين بهذه الضوابط، خاصة بعد ظهور مؤشرات على تغليب الاعتبارات التجارية على الجوانب الرياضية.
خبراء: كرة القدم تسير نحو النموذج الأمريكي
ويرى خبراء في اقتصاد الرياضة والإعلام أن هذه الخطوة تعكس تأثير النموذج الرياضي الأمريكي على بطولة كأس العالم.
وقال كريستوف لوبيتي، مدير مركز القانون والاقتصاد الرياضي، إن الأمر لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى إقامة الجزء الأكبر من البطولة في الولايات المتحدة، موضحًا أن الرياضات الأمريكية تعتمد تاريخيًا على فترات توقف متكررة تسمح ببث كم كبير من الإعلانات.
وأضاف أن مسابقات مثل دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين “NBA” ودوري كرة القدم الأمريكية “NFL” تعتمد بشكل أساسي على فترات توقف طويلة ومتكررة تشكل جزءًا من النموذج الاقتصادي للبطولات.
من جانبه، أكد فيليب بايي، رئيس إحدى شركات الاستشارات الإعلامية، أن الإعلانات التي تُعرض أثناء سير المباراة تُعد من أكثر المساحات الإعلانية قيمة وتأثيرًا، لأن تركيز المشاهد يكون في أعلى مستوياته، على عكس فترة ما بين الشوطين التي تمتد 15 دقيقة ويبتعد خلالها كثير من المتابعين عن الشاشة.
أسعار قياسية للإعلانات
وتعكس الأسعار المطروحة لهذه الفواصل حجم أهميتها التجارية، إذ تشير العروض التسويقية الخاصة ببعض القنوات الناقلة إلى أن تكلفة 20 ثانية فقط من الإعلانات خلال نهائي البطولة قد تصل إلى 425 ألف يورو إذا بلغ المنتخب الفرنسي المباراة النهائية.
ولا تتفوق على هذه الأسعار سوى الإعلانات التي قد تُبث خلال الأشواط الإضافية أو ركلات الترجيح، والتي تصل قيمتها إلى 450 ألفًا و500 ألف يورو على التوالي.
كما تخطط بعض القنوات لتخصيص دقيقة كاملة للإعلانات داخل كل فترة توقف، مع استغلال الدقائق المتبقية في التحليل وإعادة اللقطات المهمة.
ديشامب: التوقفات تغيّر طبيعة المباراة
أما على المستوى الفني، فقد حذر عدد من المدربين في وقت سابق من التأثير المباشر لهذه الفواصل على سير المباريات.
وقال مدرب منتخب فرنسا، ديديه ديشامب، إن كرة القدم أصبحت أقرب إلى خوض “أربعة أشواط” بدلًا من شوطين كما جرت العادة تاريخيًا.
وأوضح أن هذه التوقفات قد تغير مجرى اللقاء بالكامل، مشيرًا إلى أنها قد تفيد الفريق الذي يعاني داخل الملعب، لكنها قد تضر بالفريق الذي يعيش أفضل فتراته ويقترب من تسجيل هدف أو فرض سيطرته على منافسه.
وأضاف أن إيقاف اللعب لمدة 3 دقائق كفيل بقطع الإيقاع الفني للمباراة وتغيير ديناميكيتها بصورة واضحة.
تساؤلات حول قرار “فيفا”
ويرى مراقبون أن استراحات التبريد لا تؤثر فقط على اللاعبين والمدربين، بل تمتد آثارها إلى الجماهير في المدرجات والمشاهدين أمام الشاشات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى دراسة الاتحاد الدولي لكرة القدم لجميع تداعيات القرار قبل تطبيقه في أكبر نسخة بتاريخ البطولة.
ومع بداية كأس العالم فقط، تبدو “استراحات التبريد” مرشحة لتكون إحدى أكثر القضايا إثارة للنقاش خلال الأسابيع المقبلة، خاصة إذا تكررت حوادث تأخير استئناف المباريات بسبب الفواصل الإعلانية أو أثرت بشكل مباشر على مجريات المنافسات.






