
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
تحليل عام للسياسات الاستثمارية الزراعية في السودان (1956-2018)
الإطار التمهيدي والسياق التاريخي للفلسفة الاستثمارية
يتطلب فهم السياسات الزراعية في السودان تجاوز النظرة التقنية الضيقة، والتعامل معها بوصفها “دورة حياة” متدرجة للصراع؛ فالنزاع ليس انفجاراً فجائياً، بل نتيجة تراكمية لسياسات “ما قبل الصراع”. لقد ورثت الدولة الوطنية بنية “استخراجية” بامتياز من الحقبة الاستعمارية، صُممت لخدمة مصانع النسيج في “لانكشاير”؛ مما رسخ لدى النخب المركزية نظرةً للريف بوصفه خزاناً للموارد ومصدراً للنقد الأجنبي، لا شريكاً في التنمية. ويكشف تفكيك أطوار الاستثمار الزراعي هذا المسار التنازلي:
- مرحلة التوسع المروي الكلاسيكي (1956 – أواخر الستينات): وجّهت الدولة معظم الاستثمارات نحو القطاع المروي لتعظيم إنتاج القطن وتأمين النقد الأجنبي، وبرزت بوصفها المالك والمشغل الوحيد عبر مشاريع ضخمة، كـ”امتداد المناقل” الذي ضاعف مساحة مشروع الجزيرة، ومشروع “خشم القربة” لتوطين سكان وادي حلفا.
- مرحلة التنويع والتوسع الأفقي (أواخر الستينات – منتصف الثمانينات): تبلور وهم “سلة غذاء العالم العربي” بدفع من الرساميل النفطية، فتأسست “شركة سكر كنانة” و”مشروع الرهد”، تزامناً مع توسع عشوائي في الزراعة الآلية (في القضارف والدمازين) أدى إلى تدهور التربة وقطع الغابات. والأخطر من ذلك هو تجاهل أنظمة الحيازة العرفية، مما حول الأرض إلى أصل متنازع عليه، وفجر النزاعات في النيل الأزرق وجنوب كردفان.
- مرحلة التكيف الهيكلي (منتصف الثمانينات – أواخر التسعينات): بضغط من البنك الدولي، انتقلت الدولة من دور “المشغل” إلى “المنظم”. شهدت هذه المرحلة إجراءات قاسية؛ كتصفية مؤسسات تسويق الأقطان والحبوب الزيتية وإكثار البذور، وهو ما مثل نقلةً للمخاطر من الدولة إلى صغار المنتجين العاجزين، مما أدى إلى انهيار البنية التحتية وتحول الريف إلى بيئة خصبة لـ”اقتصاد الحرب”.
- مرحلة الاستراتيجيات القومية (2000 – 2018): شهدت تدفق 13 مليار دولار من الاستثمارات العربية، لكنها اتسمت بـ”كثافة رأس المال” والعزلة عن المجتمعات المحلية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص دون ضوابط تنموية. خلال هذه المراحل، تحولت الأرض من “مورد معاشي” مستدام إلى “أصل اقتصادي متنازع عليه” يُستخدم أداةً للموالاة السياسية، مما مهد الطريق للتغلغل المؤسسي الدولي الذي أعاد هندسة هذا التهميش..
المؤسسات الدولية وإعادة هندسة الاقتصاد الريفي (نموذج البنك الدولي)
أدى تبني مفهوم “الميزة النسبية” (Comparative Advantage) -كما روّج له البنك الدولي واستُخدم كأداة أيديولوجية لإعادة صياغة الأولويات السودانية دون مراعاة للواقع المحلي- إلى نتائج عكسية مُدمرة؛ إذ تركّزت الاستثمارات الزراعية في المحور الأوسط وشرق السودان لتوجيهها نحو التصدير (كالسمسم والقطن) على حساب محاصيل الأمن الغذائي الريفي (كالدخن والذرة الرفيعة)، مما خلق “اقتصاداً ثنائياً” قوامه مناطق مزدهرة شكلياً مُحاطة ببحارٍ من الفقر في الأطراف، وحوّل الريف من منتجٍ مكتفٍ ذاتياً إلى مستهلكٍ لمواد مستوردة تفوق أسعارها قدرته الشرائية.
لقد كان أثر سياسات البنك الدولي الكلية كارثياً؛ فالسعي وراء الميزة النسبية أدّى إلى تركيز البنية التحتية في المحور الأوسط والشرق لسهولة الوصول إلى الموانئ، مما عزل أطراف السودان تماماً عن دورة الاقتصاد الوطني. كما أدّى تحرير الأسعار ورفع الدعم إلى انهيار صغار المزارعين أمام تقلبات البورصات العالمية، جاعلاً من الانضمام للجماعات المسلحة خياراً اقتصادياً بديلاً للشباب الريفي. فضلاً عن ذلك، تحولت الزراعة المطرية إلى قطاع استخراجي يستنزف الموارد الطبيعية -عبر إجهاد التربة وقطع الغابات- لتمويل ميزانية الدولة، مما عمّق فجوة الفقر الحاد.
وقد امتدّ أثر هذا الفشل في السياسات الكلية إلى المستوى التقني والميداني الذي تديره منظمات الأمم المتحدة، التي عانت هي الأخرى من قصور استراتيجي..
وكالات الأمم المتحدة: فجوة التخطيط والفعالية الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD)نموذجا:
منذ عام 1977، نفذت “إيفاد” 22 مشروعاً بتكلفة إجمالية بلغت 875 مليون دولار، استهدفت 3.6 مليون مستفيد، إلا أن أثرها ظل محدوداً لعدة أسباب؛ منها عجز الحكومة السودانية عن الوفاء بالتزاماتها المالية (المكون المحلي)، مما أدى إلى تجميد الأنشطة وتآكل قيمة المنح بفعل التضخم. من ناحية أخرى، تفتقر هذه المشاريع إلى الاستدامة، إذ تنهار فور انتهاء التمويل الدولي؛ فتتعطل مراكز الإرشاد وشبكات حصاد المياه لعجز الحكومات الولائية عن تشغيلها. لقد عالجت المنظمات الدولية “أعراض” الفقر وتجاهلت “مرض” الظلم التنموي وغياب الإرادة السياسية.
إن المعونة بلا استراتيجية ليست حلاً للأزمات، بل مجرد شراء للوقت؛ فالاستمرار في إدارة الأزمات بدلاً من صناعة التنمية لن يؤدي إلا إلى تدوير الفقر وانتظار الأزمات القادمة.
الاستثمار الأجنبي والعربي: “جزر الحداثة” ومعضلة الاستحواذ على الأرض
شهدت الفترة (2000-2018) طفرة في صفقات “الاستحواذ على الأراضي” باستثمارات عربية ضخمة قُدرت بنحو 13 مليار دولار. والمفارقة الصادمة أن هذه المليارات لم تُسهم في توفير الغذاء للقرى المتاخمة لهذه المشاريع؛ إذ تركزت الاستثمارات في زراعة “البرسيم الحجازي” والأعلاف باستخدام تقنيات ري محورية تستنزف المياه الجوفية غير المتجددة (فيما عُرف بـ “تصدير المياه المستتر”، )، لتُشحن بعدها مباشرة لتغذية قطاعات الألبان في الخارج. ويُعد مشهد شاحنات الأعلاف وهي تعبر قرىً تعاني من سوء التغذية وتنتظر “إغاثة الذرة” الدولية، أصدق تعبير عن انفصام الاستثمار عن الواقع المحلي.
وقد استند هذا التغول إلى قانون “غير المسجلين” لسنة 1970، الذي مكّن السلطة المركزية من مصادرة “أراضي المشاع” والغابات المحلية، بالإضافة إلى قانون الاستثمار لسنة 2013، الذي منح الوزير الاتحادي سلطة تخصيص الأراضي بأسعار رمزية (أقل من دولار للفدان) متجاوزاً بذلك صلاحيات السلطات المحلية.
وقد أدى هذا النمط الاستخراجي إلى تحويل المزارعين التاريخيين إلى “عمال زراعيين موسميين” بلا أمان وظيفي، مما فاقم النزاعات الأهلية جراء تسييج المساحات وقطع مسارات الرعاة التاريخية (المراحيل)..
تشخيص العقل التخطيطي والنماذج الذهنية للنخب
أثبتت الفترة الانتقالية التي تلت ثورة ديسمبر أن الأزمة لا تكمن في “نقص المعلومات”، بل في “الجمود البيروقراطي” والتحيز المكاني العميق لدى النخبة السياسية والفنية. ورغم الصراع بين رؤية اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير وتوجه الحكومة الانتقالية، فقد اتفق الطرفان على “المركزية الجغرافية” وإعادة إنتاج التهميش عبر اختزال القطاع الزراعي في كونه مجرد محرك اقتصادي يعتمد على تأهيل المشاريع المروية وتعظيم الصادرات. ويتجلى هذا “الاستعمار الداخلي” بوضوح في محفظة مشاريع “مؤتمر باريس”؛ حيث حظي المركز بدراسات فنية دقيقة وميزانيات ضخمة (مشروع الجزيرة بـ 1.08 مليار دولار، ووادي الهواد بـ 400 مليون دولار)، بينما عُرضت مشاريع الأطراف (أم عجاجة، هيال، دلتا طوكر، قطن جنوب كردفان) كـ “ديكور سياسي” وعناوين باهتة تفتقر إلى دراسات الجدوى أو المخصصات الحقيقية. إن هذا الإهمال الهيكلي المتعمد يبرهن على أن العقل التخطيطي لا يزال ينظر إلى الأطراف كمناطق “غير ذات جدوى استراتيجية”، مما يغذي المظالم التي تتفاقم لاحقاً لتتحول إلى نزاعات مسلحة.
يُؤكد استقراء تاريخ الاستثمار الزراعي في السودان أن الأزمة لم تكمن يوماً في شحّ الموارد، بل في فلسفة السلطة التي أدارتها بعقلية استخراجية إقصائية. إن إصلاح هذا القطاع ضرورة سيادية لصياغة عقد اجتماعي جديد يربط الإنتاج بالعدالة، والاستثمار بالسيادة الغذائية. فما لم تُفكك هذه “الجزر المعزولة” ويُعاد الاعتبار للمزارع والراعي التقليدي، سيظل الريف السوداني مصدراً للنزاع ومكاناً للهشاشة، ولا يمكن ان يتحقق ذلك الا بوجود دولة قوية ذات استراتيجية واضحة للاستثمار الزراعي تشكل الاستثمار العالمي وفق رؤيتها كما فعلت فيتنام ورواندا في “فرض رؤية الدولة” على المانحين (البنك الدولي)؛ لتوجيه التمويل نحو التنمية الريفية والأمن الغذائي (المقال السابق)
وفي المقال القادم، سنحلل واقع القطاع الزراعي في ظل هذه السياسات، مع استعراضٍ عام لتداعيات الحرب عليه.





