
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
saniali2010@gmail.com
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (2-2)
في المقال السابق من هذه السلسلة، انتقلنا من تشخيص جذور الأزمة الزراعية السودانية إلى السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة بناء القطاع الزراعي بعد الحرب بطريقة لا تعيد إنتاج الاختلالات التي ساهمت في صناعة الهشاشة والصراع؟
وكانت الخلاصة أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد ترميم لما دمرته الحرب، بل فرصة لإعادة تصميم النموذج الزراعي ذاته. فالزراعة السودانية لم تدخل الحرب وهي في حالة سليمة؛ إذ سبقتها اختلالات تاريخية في توزيع الاستثمارات والخدمات، وتفاوت حاد بين القطاعين المروي والمطري، وضعف في حوكمة الأراضي، وتهميش لصغار المنتجين والمجتمعات الريفية. ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتضاعف هذه الاختلالات، فتضررت الأصول الزراعية والأسواق وسلاسل الإمداد، ونزح المنتجون، وتراجعت الخدمات والقدرات التمويلية.
إن المشكلة الأساسية في نماذج الاستثمار الزراعي التقليدية تكمن في تعاملها مع الزراعة كنشاط إنتاجي محدود (أرض، مدخلات، محصول، ثم تسويق)، بينما الزراعة في السودان أبعد من ذلك بكثير؛ فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأرض والمياه والأسواق والعمل والهجرة والنزاعات المحلية والثروة الحيوانية والمناخ والحوكمة والاستقرار الاجتماعي.
ولهذا يقترح “إطار الاستثمار الزراعي المتكامل” (IAIM) الانتقال من منطق المشروع المنفرد إلى منطق المنظومة الزراعية المتكاملة؛ أي ألا يبدأ الاستثمار بالسؤال: “ما المحصول الذي نريد إنتاجه؟”، بل بالسؤال: “ما النظام الذي نريد بناءه، وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الزراعة في إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع والدولة؟”.
هذا التحول ضروري في السودان، لأن النماذج السابقة عانت من التركيز المفرط على زيادة الإنتاج، وضعف إدماج صغار المنتجين، وتجاهل حقوق الأرض، والفصل بين الزراعة والمياه والأسواق والسلام، إضافة إلى التقليل من شأن المخاطر السياسية والمناخية والمؤسسية.
الاستثمار الذي يعيد بناء الثقة
بعد الحرب، ستكون الحاجة إلى الاستثمار ضخمة. لكن السؤال الجوهري ليس “كم نستثمر؟” فحسب، بل: “أين نستثمر؟ ولصالح من؟ وكيف؟”.
فالاستثمار الذي يعيد تأهيل مشروع زراعي دون معالجة حقوق الأرض قد يعيد إنتاج النزاع، والاستثمار الذي يركز على المناطق الأكثر ربحية فقط قد يعزز التهميش المكاني، والاستثمار الذي يستبعد صغار المنتجين قد يوسع الفجوة بين رأس المال والمجتمع الريفي.
لذا، يقوم النموذج المقترح على مبادئ أساسية، في مقدمتها: العدالة المكانية، وتمكين المجتمعات المحلية، والاستدامة البيئية، والشفافية والمساءلة، والمرونة والقدرة على التكيف. وهنا، يتحول الاستثمار الزراعي إلى أداة لبناء الثقة، لا مجرد وسيلة لتحقيق عائد مالي.
فحين يشارك المزارعون والرعاة والنساء والشباب والنازحون والعائدون في تحديد أولويات الاستثمار، وحين تصبح حقوق الأرض والمياه أكثر وضوحاً، وتتسم العقود والمنافع بالشفافية، يتحول المشروع الزراعي إلى مساحة للتعاون وبناء المصالح المشتركة، وهو أمر حيوي خاصة في العلاقة بين المزارعين والرعاة، حيث يمكن أن تتحول الموارد المشتركة من مصدر للنزاع إلى أساس لشراكات اقتصادية جديدة.
ثلاثة أبعاد للاستثمار الزراعي
يقوم الإطار المقترح على ثلاثة أبعاد مترابطة: اقتصادي، واجتماعي، وبيئي.
البعد الاقتصادي يبدأ باستعادة رأس المال الإنتاجي، وإعادة تشغيل الأسواق والخدمات الريفية، وتأمين الغذاء، وإعادة دمج صغار المنتجين في سلاسل القيمة، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، بهدف بناء اقتصاد ريفي متنوع وقادر على الصمود.
أما البعد الاجتماعي فينطلق من أن كثيراً من النزاعات الريفية ليست نتيجة ندرة الموارد وحدها، بل نتيجة سوء توزيعها والقيود على حق الوصول إليها. ولذلك، تصبح إصلاحات حيازة الأرض، وضمان الوصول إلى المياه والمسارات الرعوية، وإدارة النزاعات بصورة تشاركية، جزءاً أصيلاً من عملية الاستثمار.
والبعد الثالث هو البيئة والمناخ؛ إذ لا يمكن إعادة بناء الزراعة بالمنطق نفسه الذي أدى لاستنزاف الموارد. ويشمل ذلك الحصاد المائي، وكفاءة استخدام المياه، والطاقة الشمسية، ومكافحة التصحر، واستعادة الغطاء النباتي، والزراعة الذكية مناخياً، ونظم الإنذار المبكر.
هذه الأبعاد ليست مسارات منفصلة؛ فالاقتصاد يحتاج إلى استقرار اجتماعي، والاستقرار يحتاج إلى عدالة في توزيع الموارد، وكلاهما يتطلب قاعدة بيئية مستدامة.
شجرة الاستثمار: من الجذور إلى الثمار
ولتوضيح هذه الفكرة، يقدم النموذج مفهوم “شجرة الاستثمار”:
- الجذور: تمثل الشروط التأسيسية (الإرادة السياسية، حوكمة الأرض، رأس المال البشري والتماسك الاجتماعي، والاقتصاد الكلي الحساس للنزاع).
- الجذع: يمثل الإنتاج الأساسي والبنية التحتية (الأمن الغذائي، الثروة الحيوانية، المياه والطاقة، والتكيف المناخي).
- الفروع: تمثل الأسواق وسلاسل القيمة والتصنيع والتحول الرقمي والشمول المالي.
- الثمار: هي الأمن الغذائي، وتحسين سبل العيش، وخلق فرص العمل، والاستقرار الاجتماعي، والحد من الهشاشة، وتحقيق السيادة الغذائية والاقتصادية.
هذه الصورة تختصر جوهر الفكرة: لا يمكن الوصول إلى ثمار التنمية إذا لم تُبنَ جذور الاستثمار بصورة صحيحة.
من الإغاثة إلى الإنتاج
تعد العلاقة بين الإغاثة والتنمية من أهم قضايا ما بعد الحرب. فبينما تظل الإغاثة ضرورية لإنقاذ الأرواح، لا يمكن أن تكون نموذجاً اقتصادياً مستداماً. لذا، ينبغي البدء تدريجياً بالانتقال من منطق الاعتماد على المساعدة إلى استعادة القدرة الإنتاجية.
ويمكن للزراعة أن تكون الجسر بين الإغاثة وإعادة الإعمار عبر توفير المدخلات، واستعادة الإنتاج، ودعم التعاونيات، وتمويل صغار المنتجين، وإنشاء الصناعات الزراعية الصغيرة، وتحويل الأسر المتلقية للمساعدة إلى أسر منتجة قادرة على تحقيق الدخل والوظائف.
السودان ليس جزيرة معزولة
لا تقتصر أهمية هذا النموذج على الداخل السوداني؛ فموقع السودان الاستثنائي وتقاطعه مع البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي والساحل يجعله فاعلاً إقليمياً. لذا، يمكن للاستثمار الزراعي السوداني أن يتحول إلى مشروع إقليمي للأمن الغذائي والتجارة.
ويتطلب ذلك الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تطوير سلاسل قيمة ذات قيمة مضافة، وتطوير الأسواق الحدودية، والخدمات البيطرية، وتصنيع اللحوم والألبان، وربط مناطق الإنتاج بالممرات اللوجستية والموانئ، ليعيد السودان تعريف موقعه كشريك في منظومة إقليمية للأمن الغذائي والاستقرار.
من النموذج السوداني إلى تجربة أفريقية
رغم أن النموذج صُمم للواقع السوداني، إلا أنه يحمل دلالات أفريقية أوسع، حيث تتشابه قضايا حوكمة الأرض والمياه والنزوح وتغير المناخ في دول أفريقية عديدة. ويمكن نقل مبادئ هذا النموذج (التفكير المنظومي، التمويل التكيفي، تقاسم المخاطر، والشراكات التشاركية) وتكييفها مع كل سياق وطني.
الاستثمار الذي نحتاجه ليس مجرد رأس مال
إن إعادة الإعمار ليست مجرد فرصة لجذب الأموال؛ فالأموال وحدها لا تبني تنمية، بل قد تتحول إلى مصدر للنزاع إن غابت العدالة والشفافية. المطلوب هو هندسة الاستثمار بحيث تصبح كل وحدة رأس مال جزءاً من منظومة تستعيد الإنتاج، وتحمي الموارد، وتدمج صغار المنتجين، وتقلل مسببات النزاع.
إن نجاح الاستثمار الزراعي بعد الحرب لا يُقاس فقط بزيادة الإنتاج، بل بقدرته على الإجابة عن أسئلة أعمق: هل أعاد للناس سبل عيشهم؟ هل عزز الثقة بين المجتمع والدولة؟ هل قلل التنافس على الموارد؟ هل خلق فرصاً للشباب؟ وهل بنى اقتصاداً ريفياً صامداً؟
إذا كانت الإجابة “نعم”، فنحن لا نعيد بناء الزراعة فحسب، بل نبدأ بإعادة بناء السودان.





