ظهرت العلمانية في أوروبا كرد فعل لممارسات رجال الدين في الكنيسة؛ وخلاصة ممارسات رجال الدين كانت تتلخص في الآتي:
١–احتكار المعرفة؛ ومحاربة أي حقيقة علمية تخالف ما يقوله رجال الدين؛ فرجال الدين وقفوا ضد حرية البحث العلمي؛ حيث حاربوا العلماء وسفهوا العقول واستنتاجاتها، ورفضوا نتائج التجربة العلمية.
٢–تحالفوا مع الحكام ضد الشعب، وأصبغوا قدسية على قرارات الحكام، وحرموا أيَّ اعتراض عليهم.
٣–قالوا إن الحاكم تولى السلطة بأمر الله وليس باختيار الشعب؛ وما على الناس إلا أن يستسلموا.
٤–حددوا مفاهيم معينة للدين لا يجوز الخروج عليها، مثل القول بطبيعة إلهية إنسانية للسيد المسيح، والقول بالخطيئة الموروثة التي ارتكبها آدم وتسري على ذريته ولا يطهرهم منها إلا إيمانهم بفداء السيد المسيح، فضلا عن عقيدة التثليث التي لا يقبلها العقل.
٥–أعطوا النظام السياسي قدسية، فلا مجال للتطوير ولا للمشاركة ولا للفصل بين السلطات.
٦–جعلوا الخلاص كله في الغيب حسب ما يقرره رجال الدين، وكل الأخطاء التي تقع من رجال الدين أو من الحكام تُبَرَّرُ بمفاهيم غيبية.
٧–حَرَّمُوا أيَّ اعتقاد يخالف دين الكنيسة، وحتى المجتهدين من المسيحيين اعتبروهم مهرطقين، وأقاموا محاكم التفتيش لقمع الحرية الفكرية والحرية الدينية… إلخ.
تلك هي المفاهيم التي وُلِدَت من رحمها العلمانية؛ فجاءت عنيفة ترفض كلما هو غيبي. وعرفها فلاسفتها كالاتي:( إنها إدارة قَفَا الإنسان من عوالم غيبية، ولفت نظره إلى هذا العالم وهذا الزمان؛ إنها طرد الغيبيات من الطبيعة، وطرد القداسة من السياسة، وتحرير القيم من الجمود، وهي حركة تاريخية مستمرة، بموجبها يرتقي الإنسان من الطفولة الفكرية إلى النضج، ويتحرر من الوصاية، ليصبح مسئولا عن مصيره).
فرجال الدين كانوا يمثلون الدولة الدينية بمفهومهم، والعلمانية جاءت رافضة للدولة الدينية ولرجال الدين ومفاهيمهم الظلامية.
يتضح مما سبق أن الدولة الدينية والعلمانية كلاهما إنتاج أوربي، يعبران عن مجتمع مغاير للمجتمع الذي أقامه الإسلام عقيدة وفلسفة وسلوكا.
أما مفهوم الدولة الدينية فيلخصه قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
ومفهوم العلمانية يلخصه قوله تعالي:( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).
مما سبق ندرك العوامل التي أدت إلى نشأة العلمانية في أوروبا، وهي في مجملها ترجع إلى موقف رجال الدين من حرية الإنسان ومن العقل ومن نتائج البحث العلمي، فضلا عن التحالف الظالم بين رجال الدين وبين الحكام الذين اضطهدوا الإنسانية، وعطلوا التطور السياسي والعلمي.
وهنا ينشأ تساؤل عن طبيعة الدولة الدينية التي ثارت عليها حركة الإصلاح في أوروبا وحلت العلمانية محلها، وهل الدولة الدينية التي تبنتها الكنيسة في أوروبا تتطابق مع مفهوم الدولة في الإسلام؟ وهل العوامل التي أدت إلى ظهور العلمانية يوجد مثلها في الإسلام؟ وما موقف الإسلام من الدولة الدينية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة أقول باختصار الآتي:
أولا: الدولة الدينية التي ثارت عليها حركة الإصلاح في أوروبا كانت مظاهرها كالآتي:
١–الحاكم كان يَدَّعِي أنه تولى السلطة بأمر الله وليس باختيار الشعب، وأنه ينوب عن الله في كل تصرفاته ومن خالفه خالف أمر الله.
٢–كانت هنالك طبقة تسمى رجال الدين؛ وهي طبقة تحظى بالامتيازات دون بقية الشعب، وهي الوحيدة المنوط بها تفسير الدين، وتوزع صكوك الغفران على المذنبين مقابل جعل مادي يدفعه المذنبون لها بعد اعترافهم أمامها بجرائمهم.
٣–مشاركة الشعب في الحكم ممنوعة؛ بل هنالك طبقة النبلاء هي الطبقة الوحيدة التي تشارك في الحكم والامتيازات دون بقية الشعب.
٤–تعترف الدولة بدين واحد وفق ما يقرره رجال الدين، وحرمان الآخرين من أي اعتقاد يخالف الدين الرسمي للدولة، ومن خالف ذلك مصيره الإعدام أو التضييق.
٥–أقامت الدولة محاكم التفتيش لملاحقة العلماء والمفكرين وكل من يقول برأي يخالف ما يقوله رجال الدين؛ وتطبيقا لقرارات محاكم التفتيش أعدم كثير من العلماء وأحرقت كتبهم.
٦–في ظل هذه الأوضاع توقفت الحياة عن التطور، وتَيَبَّسَ النظام السياسي، وتوسعت الحروب الدينية، وحوصرت العقول وصارت الحياة جحيما لا يطاق.
٧–إن ربط كل هذه المظالم بالدين جعل الشعوب تثور على الحكام وعلى رجال الدين؛ فنادوا بشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس! ونشأ اعتقاد عند عامة الناس بأن الدين هو سبب التخلف؛ ولذلك نادت العلمانية بإبعاد الدين عن الدولة وَجَعْلِهِ ضَمِيرِيًّا خاصا بمعتنقيه.
ثانيا: واضحٌ تماما أن مفاهيم وممارسات الدولة الدينية التي قامت في أوروبا القرون الوسطى؛ تتعارض مع تعاليم الإسلام؛ فالإسلام لا توجد فيه طبقة رجال الدين، وإنما فيه علماء الدين، وهم ليسوا معصومين؛ بل مجرد مجتهدين يخطئون ويصيبون؛ فالعصمة للنص المحكم وليس لاجتهاد المجتهد، والإسلام يرفض الإكراه في الدين؛ بل مهمة الرسول البلاغ، والناس أحرار؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. والحساب على إيمان الإنسان وكفره ليس لعلماء الدين وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي يحاسب عباده يوم القيامة؛ قال تعالى: ” قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” [الأنعام:164]. واعترف الإسلام بالأديان السماوية السابقة وأمر أتباعه بالإيمان بها، ودعا إلى مجادلة أتباعها بالحسنى بالرغم من تحريفهم للدين المنزل، والإسلام أقر مصادر المعرفة كلها الدينية والعقلية والتجريبية والإلهامية؛ ونادى بوضوح لكل المدعين:” أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ”[النمل:64].
واحترم الإسلام العقل وجعله شرطا في التكليف، وأقر حكمه؛ قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، [الزمر:9]. وقال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).[القلم:35-36].
ثالثًا: طبيعة الدولة في الإسلام أنها من اختيار البشر لرعاية مصالحهم، فهي دولة مدنية تقوم على اختيار الناس بالشورى، والحاكم يختاره الناس ويحاسبونه ويعزلونه إن خالف الشروط التي تم اختياره على أساسها؛ ويؤكد ذلك الآتي:-
1- قوله تعالى عن المؤمنين (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، [الشورى:38]. والشورى مطلوبة في كل مجالات الاجتماع البشري؛ من فطم الرضيع إلى إدارة شؤون الدولة. قال تعالى:” فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا”،[البقرة:233].
2- مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في كل الشؤون المتعلقة بأمور الحكم والدولة؛ لقوله تعالى: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ”، [آل عمران:159].
3- عندما وُلِّيَ أبوبكر الصديق أمر الخلافة خاطب الناس قائلا:( أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم؛ إن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
4- يلتبس على بعض الناس مصطلح الدولة الدينية، فيظنون أن الدولة مادامت تطبق الأحكام الشرعية فهي دولة دينية، ولإزالة هذا اللبس نقول: إن أحكام الشريعة تنقسم إلى عقائد وعبادات ومعاملات؛ فالعقائد والعبادات أحكامهما محددة وثابتة وقطعية، والمعاملات تقوم على مبادئ ومقاصد؛ وتتسم بالمرونة والتطور ، والدولة تدخل في إطار المعاملات وليس في إطار العقائد والعبادات؛ فهي تصنف في مجال السياسة الشرعية، وهي وإن كانت تطبق أحكام الدين إلا أنها لا تصنف دولة دينية ؛ بل هي تجربة بشرية تستمد من الدين اجتهادا، حتى لا تحسب أخطاء من قاموا بها على الدين المعصوم؛ ويؤكد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ عندما حَكَّمَهُ في يهود بني قريظة؛ حيث قال سعد لرسول الله أَأُنزِلُهُمْ على حكم الله ؟ فقال له رسول الله:(أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا).
5- إن الذين ينادون بالعلمانية في العالم لإسلامي تأثروا بما قرأوا عن التاريخ الأوروبي، فظنوا أن طبيعة الدولة في الإسلام تشبه الدولة الدينية التي قامت في أوروبا في القرون الوسطى، وظنوا أن الفقهاء والعلماء في العالم الإسلامي هم مثل رجال الدين في الكنيسة، وأكد لهم ظنهم ما يقوله بعض المتطرفين من الدعاء وبعض علماء السلطان الذي انحازوا للحكام الظالمين ضد إرادة الشعوب؛ وفات عليهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” أفضلَ الجِهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سلطانٍ جائرٍ“
والخلاصة أن الدولة الدينية التي ظهرت في أوروبا القرون الوسطى لا تشبه طبيعة الدولة في الإسلام، وأن العوامل التي أدت إلى ظهور العلمانية غير موجودة في الإسلام، وأنه لا يوجد مبرر لطرح العلمانية في العالم الإسلامي، فطبيعة الدولة في الإسلام أنها دولة مدنية من اختيار الشعب تحقيقا لمصالحهم، وأنها دولة مطالبة بكفالة حقوق الإنسان، واحترام الأديان، وصيانة الحريات الدينية، وتشجيع البحث العلمي، وتوفير العدالة لجميع المواطنين، وهي دولة تسمح بالتداول السلمي للسلطة، وتقر اكتساب الحقوق والوجبات على أساس المواطنة.
“إن التجارب التي قامت تحت شعار الإسلام وأخفقت، فهي حجة على أصحابها وليست حجة على الإسلام” .