التنمية الزراعية من اجل السلام :تحديات الإنتاج والتسويق (1-2)

كيف يواجه المزارع السوداني عاصفتين: النزاع وتغير المناخ؟

0

تقديم

في المقالات السابقة، استعرضنا تحديات التخطيط في القطاع الزراعي، محللين النظرة التقليدية للقطاع من منظور سياسي ومهني، وعرضنا رؤية بديلة عبر شرح مبسط لمفهوم التحول الزراعي. أما في هذا المقال والمقال التالي، فسنركز على استعراض التحديات المرتبطة بالإنتاج والتسويق الزراعي وتأثيرها المباشر على المزارعين.

أرض الإمكانيات الهائلة والتحديات الجسيمة

يُعرف السودان بأنه يمتلك إمكانات زراعية هائلة، حيث تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة أكثر من 173 مليون فدان، ولديه موارد مائية متنوعة تشمل النيل والأمطار والمياه الجوفية، بالإضافة إلى ثروة حيوانية ضخمة تتجاوز 105 ملايين رأس. تجعل هذه الموارد منه سلة غذاء محتملة ليس للسودان فحسب، بل للمنطقة بأكملها. ومع ذلك، يكشف الواقع الإنتاجي عن فجوة صارخة بين هذه الإمكانات الكامنة والأداء الفعلي. فعلى سبيل المثال، يبلغ متوسط إنتاجية محصول الذرة في السودان حوالي 700 كيلوجرام للهكتار الواحد (ما يعادل 294 كجم/فدان)، وهو مستوى منخفض بشكل مقلق مقارنة بنيجيريا (1,200 كجم/هكتار) أو إثيوبيا (2,600 كجم/هكتار). هذه الفجوة الهائلة لا تبرز حجم الفرص الضائعة فحسب، بل تكشف أيضاً عن عمق التحديات التي يواجهها المزارع السوداني..

 الضربة المباشرة: كيف تدمر النزاعات المسلحة الزراعة؟

تخلّف النزاعات المسلحة آثاراً مدمرة ومباشرة على المزارعين، إذ تحوّل حقولهم إلى ساحات معارك، ما يعطّل سُبل عيشهم كلياً. ويمكن إيجاز أبرز هذه التأثيرات فيما يلي:

  • النزوح الجماعي: تسببت الحرب الأخيرة في نزوح نحو 6.6 مليون شخص داخل السودان. لا تمثل هذه الأرقام أزمة إنسانية وحسب، بل هي خسارة فادحة لرأس المال البشري والمعرفة الزراعية المتوارثة عبر الأجيال، مما يخلق فراغاً صعب المعالجة.
  • تدمير البنية التحتية: تعرضت المنشآت الحيوية لدمار واسع، لا سيما في ولاية الخرطوم التي كانت تستوعب 40% من قدرة البلاد على طحن القمح. أدى هذا التدمير الممنهج إلى فصل الإنتاج الأولي عن عمليات القيمة المضافة، الأمر الذي قطع صلة المزارعين بسلاسل الإمداد الوطنية وألغى التفاعلات الاقتصادية الإيجابية. وتشير التقديرات إلى توقف ثلثي شركات التصنيع الزراعي عن العمل.
  • منع الوصول إلى الأراضي: أعاق انعدام الأمن وصول المزارعين إلى حقولهم في مناطق عدة، خاصة خلال مواسم الزراعة الحاسمة. هذا الخوف يمنعهم من الزراعة، مما يتسبب في تقلص كبير في المساحات المزروعة.
  • تعطيل طرق الرعي: أحدث النزاع اضطراباً في مسارات الهجرة التقليدية للثروة الحيوانية، مما فاقم التوترات بين الرعاة والمزارعين حول الموارد المحدودة من مياه ومراعٍ، وعرّض الثروة الحيوانية للخطر.

وبعيداً عن عنف الصراع المباشر، يلوح في الأفق تهديد آخر لا يقل خطورة، وهو التآكل الصامت الذي يُحدثه تغير المناخ في ركائز الزراعة السودانية..

الخطر الصامت: كيف يؤثر تغير المناخ على المزارع السوداني؟

يُصنف السودان ضمن أكثر دول العالم عرضة لتأثيرات تغير المناخ، حيث يحتل المرتبة 175 من أصل 181 دولة من حيث درجة التأثر. تضع هذه الهشاشة المناخية ضغوطاً هائلة على القطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل مباشر على الموارد الطبيعية. وفيما يلي أبرز التأثيرات المناخية وكيف تؤثر بشكل ملموس على الزراعة:

1) ارتفاع درجات الحرارة: من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة في السودان بما يتراوح بين 1.5 و3 درجات مئوية بحلول منتصف القرن. هذا يعني زيادة هائلة في تبخر المياه من التربة، وإجهاداً شديداً للمحاصيل والماشية، والأهم من ذلك، تقلصاً في طول دورات المحاصيل، مما يقلل من إنتاجيتها بشكل مباشر.

2) تذبذب الأمطار: يعتمد غالبية سكان الريف على الزراعة المطرية لإنتاج محاصيلهم الأساسية كالذرة الرفيعة والدخن. إن عدم انتظام هطول الأمطار وتذبذب كمياته من عام لآخر يهدد المواسم الزراعية بأكملها، ويزيد من مخاطر فشل المحاصيل التي يعتمد عليها ملايين السكان في غذائهم.

3) تدهور الأراضي والتصحر: يفاقم تغير المناخ من مشكلة التصحر التي تُعد التحدي البيئي الرئيسي في غرب السودان. يؤدي ذلك إلى تدهور خصوبة التربة، وزيادة العواصف الترابية التي تدمر المحاصيل، وتقليص مساحة المراعي المتاحة للثروة الحيوانية.

تكمن المأساة الحقيقية في أن هذين التحديين، النزاع والمناخ، لا يعملان بشكل منفصل، بل يتفاعلان في حلقة مفرغة تضاعف من معاناة المزارعين..

الحلقة المفرغة: عندما يغذي المناخ الصراع، ويدمر الصراع القدرة على التكيف

تكمن المأساة في أن تغير المناخ والنزاعات يغذي كل منهما الآخر في حلقة مدمرة. تخلق حلقة التغذية الراجعة هذه ما يُعرف بـ “فخ الصراع”؛ فندرة الموارد الناتجة عن تغير المناخ تؤدي إلى تأجيج العنف، وهذا العنف بدوره يفكك بشكل منهجي البنية التحتية والتماسك الاجتماعي الضروريين للتكيف مع المناخ، مما يحبس المجتمعات في حالة من الضعف الدائم.

على سبيل المثال، يؤدي تدمير أنظمة الري والطرق ومنشآت التخزين إلى عجز المزارعين عن التكيف مع شح المياه أو تخزين محاصيلهم. كما كان الصراع على الأراضي الرعوية وموارد المياه المتقلصة بسبب الجفاف والتصحر أحد العوامل الرئيسية في نزاع دارفور. ويحول انعدام الأمن دون وصول المزارعين إلى البذور المحسنة والأسمدة اللازمة لزراعة محاصيل قادرة على تحمل الظروف المناخية الصعبة. ويدفع الجفاف السكان إلى الهجرة بحثاً عن الماء والمراعي، مما يزيد الضغط على الموارد في المناطق التي ينتقلون إليها ويثير توترات جديدة مع المجتمعات المضيفة..

نظرة عن قرب: خريطة معاناة المزارعين في أقاليم السودان

على الرغم من تشارك جميع الأقاليم في تحديات عامة، فإن الطبيعة المحددة للأزمة تتباين بشكل كبير. ففي دارفور، يبرز التحدي الأبرز والأكثر خطورة في النزاع المسلح وانعدام الأمن الشامل، مما أدى إلى نزوح المزارعين ومواشيهم. وتكمن المشكلة الأساسية في الصراع التاريخي على الأراضي، الذي يُعد “أم المشاكل”. أما في الشرق، فالأزمة بيئية مرتبطة باستنزاف التربة في مناطق الزراعة الآلية، مما يؤثر بشكل مباشر على إنتاجية الذرة والسمسم. إن معاناة المزارعين ليست مجرد أرقام، بل هي واقع يومي معقد يتطلب فهمًا عميقًا.

خلاصة: ما وراء الأزمة

الأزمة الزراعية في السودان ليست مجرد نتاج للنزاع وتغير المناخ، بل هي تعبير عن إخفاقات هيكلية أعمق. إنها أزمة مركبة تنبع من إخفاقات تأسيسية ومزمنة في الحوكمة وسوء إدارة الموارد، الأمر الذي جعل القطاع الزراعي هشًا وعرضة للانهيار قبل وقت طويل من اندلاع الأزمات الحالية.

في المقال القادم، سنستعرض بشكل مباشر التحديات الهيكلية والعوامل المؤثرة على تدني الإنتاجية في السودان..

-مستشار التنمية الزراعية

Saniali2010@gmail.com

Leave A Reply

Your email address will not be published.