التنمية الزراعية من اجل السلام في السودان:تحديات الإنتاج والتسويق (2-2)
التحديات البنيوية والتشغيلية التي تخنق الزراعة السودانية
مقدمة
في المقال السابق، استعرضنا التحديات المرتبطة بالنزاعات وتغير المناخ التي تواجه القطاع الزراعي في السودان. أما في هذا المقال، سنقدم استعراضًا عامًا للتحديات البنيوية والتشغيلية التي تعيق الزراعة، بهدف طرح رؤية شاملة وموضوعية لتقييم المخاطر وتحديد الأولويات، بما يسمح بتصميم تدخلات استراتيجية فعالة.
التحديات الهيكلية
يشكل ضعف الحوكمة والقصور المؤسسي العائق الأساسي الذي يقوض أي مسعى جاد لتحقيق تنمية زراعية مستدامة في السودان. فبدون إطار قانوني واضح، ومؤسسات فاعلة، وقدرات تنفيذية حقيقية، تظل جميع التدخلات الأخرى محدودة التأثير. وتتضح هذه الأزمة في عدة جوانب رئيسية؛ فالبيئة القانونية المنظمة للقطاع تتسم بالتجزئة والتضارب، مما يولد حالة من عدم اليقين القانوني ويحرم المزارعين من حقوقهم. ويتجلى هذا بوضوح في قوانين الأراضي؛ حيث أدى “قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970″، و”قانون المعاملات المدنية لعام 1984” الذي تلاه، إلى تحويل جميع الأراضي غير المسجلة إلى ملكية حكومية، ملغيًا بذلك الحقوق العرفية والتاريخية للمجتمعات المحلية ومضعفًا أمن الحيازة لملايين المزارعين والرعاة. من جهة أخرى، تعاني المؤسسات الحكومية المسؤولة عن القطاع من ضعف هيكلي وقصور حاد في القدرات، مما يعيق تنفيذ السياسات وتقديم الخدمات بفاعلية. وتؤكد الأدلة الميدانية هذا القصور في إدارة الأراضي؛ إذ تعاني إدارات الأراضي على مستوى الولايات من وضع متردٍّ، حيث أظهرت التقييمات الميدانية نقصًا حادًا في المعدات، وغيابًا لأنظمة الحفظ والأرشفة، مع انتشار عشوائي للبيانات واعتماد على أساليب مسح بدائية. ويُضاف إلى ذلك غياب تام للتنسيق بين المؤسسات الحكومية المعنية، وبينها وبين المانحين والمنظمات الدولية، مما يؤدي إلى تشتيت الجهود وإهدار الموارد الثمينة.
التحديات الاقتصادية والمالية:
يُفاقم عدم الاستقرار الاقتصادي والفجوات التمويلية فقر المزارعين، ويُعيق قدرتهم على تبني التقنيات الحديثة، مما يجعلهم أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية المتكررة. يعاني القطاع الزراعي بشدة من تداعيات التضخم المرتفع الذي يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمنتجين، كما يشكّل الوصول المحدود إلى التمويل عائقاً كبيراً أمام نمو القطاع. وتُظهر البيانات حجم هذه الأزمة؛ فقد انخفض التمويل المصرفي الموجه للقطاع الزراعي بشكل حاد إلى أقل من 5% من إجمالي القروض بعد نزاع أبريل 2023، مقارنةً بنحو 15% قبله، ما يعكس تراجع ثقة القطاع المصرفي. علاوة على ذلك، تتجه الغالبية العظمى من القروض التي تحصل عليها الأسر الزراعية لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية العاجلة بدلاً من الاستثمار في المدخلات الزراعية الأساسية كالبذور المحسّنة والأسمدة. يضاف إلى ذلك، يواجه المزارعون أعباءً مالية متزايدة نتيجة تدهور شبكات الطرق، مما يرفع تكاليف النقل، والنقص الحاد في المدخلات الأساسية كالأسمدة والآلات، مما يجعلها خارج متناول صغار المنتجين.
تحديات الإنتاج والإنتاجية:
يُعد تدني الإنتاجية الزراعية المؤشر الأبرز للأزمة، إذ يعكس الهوة الكبيرة بين الموارد الطبيعية الوفيرة في السودان والمخرجات الفعلية المنخفضة. ويرجع ذلك أساسًا إلى ضعف تمويل مؤسسات البحث العلمي وتدهور خدمات الإرشاد الزراعي، مما أدى إلى استمرار ممارسات زراعية ضارة تستنزف خصوبة التربة، مثل الزراعة الأحادية، بالإضافة إلى أخطاء تشغيلية متكررة تشمل التأخر في الزراعة، ضعف التسميد، وسوء مكافحة الحشائش.
من جانب آخر، تعاني أنظمة المياه من إهمال هيكلي مزمن. فمشاريع حصاد المياه تواجه تحديات جسيمة تشمل نقص التمويل، وانهيار بعض السدود (كمثل سد أم دفوق)، ومشاكل تقنية كارتفاع معدلات التبخر والملوحة، إلى جانب النزاعات التي تعيق أعمال الصيانة. أما مشاريع الري الكبرى (كالجزيرة والرهد وحلفا الجديدة)، فهي تعاني من حالة متردية وتهالك واضح في المضخات والقنوات، مما يستدعي إعادة تأهيل شاملة لها.
تتضح هذه المشكلة في مؤشرات مقلقة، أبرزها الانخفاض الحاد في إنتاجية نظم الزراعة المطرية التقليدية، حيث تتراوح الإنتاجية بين 0.24 إلى 0.7 طن للهكتار فقط، مقارنة بمتوسط 2 طن للهكتار في إثيوبيا وما بين 0.8 إلى 1.2 طن للهكتار في نيجيريا.
أزمة حيازة الأراضي والنزاع على الموارد: جوهر عدم الاستقرار
لا تقتصر قضايا حيازة الأراضي في السودان على كونها تحديًا زراعيًا فحسب، بل هي أيضًا مصدر أساسي للتوترات الاجتماعية والنزاعات المسلحة التي تقوض الأمن والتنمية في البلاد. إن الافتقار إلى أطر قانونية عادلة لإدارة هذا المورد الحيوي يغذي دوامات العنف وانعدام الاستقرار. يعاني معظم سكان الريف من عدم استقرار حيازتهم للأراضي، إذ أن الغالبية العظمى منها غير مسجلة رسميًا (وتقل النسبة عن 1% في دارفور). هذا الوضع، المقترن بالتضارب بين القوانين العرفية والرسمية، يُضعف حيازة الملايين ويجعلهم عرضة لفقدان أراضيهم. وتتضرر النساء بشكل خاص بسبب ضعف حقوقهن في حيازة الأراضي ضمن النظم العرفية السائدة، مما يجعلهن الفئة الأكثر هشاشة عند وقوع نزاعات أو نزوح. بالإضافة إلى ذلك، أدت الضغوط السكانية والبيئية إلى تصاعد النزاعات، والتي تشمل: النزاعات بين المزارعين والرعاة حول المسارات ومصادر المياه، ونزاعات الاستثمار الناجمة عن منح الحكومة عقودًا واسعة النطاق دون مراعاة حقوق المجتمعات المحلية، ونزاعات النازحين العائدين الذين يجدون أراضيهم محتلة.
الأبعاد الإقليمية للأزمة الزراعية: تباين التحديات يتطلب حلولاً مخصصة
تتباين التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في السودان بشكل كبير بين إقليم وآخر، مما يجعل فهم هذه الخصوصية الإقليمية شرطًا أساسيًا لصياغة سياسات فعالة ومستجيبة للاحتياجات المحلية.
إقليم دارفور: تتجلى الأزمة هنا في التقاطع المميت بين النزاع المسلح الذي شلّ الحياة الاقتصادية، وتدهور الموارد الطبيعية الذي يقوّض سبل العيش التقليدية، مما أدى إلى تبوير ملايين الأفدنة. أي محاولة للتنمية الزراعية تصبح رهينة للاستقرار الأمني. يضاف إلى ذلك الصراع التاريخي بين المزارعين والرعاة حول “الحواكير” والمسارات (التي تُعدّ “أم المشاكل” في الإقليم)، إلى جانب الجفاف وزحف التصحر الذي يقلل المساحات الصالحة للزراعة.
إقليم كردفان: تتعرض الركائز الاقتصادية التقليدية للإقليم، من الصمغ العربي إلى الثروة الحيوانية، لتآكل ممنهج. يعود ذلك إلى تمدد التعدين العشوائي على حساب الأراضي الزراعية وما يسببه من تلوث للتربة، بالإضافة إلى انعدام أمن الطرق الرئيسية وفرض جبايات غير قانونية تلتهم أرباح المزارعين. كما يتأثر الإقليم بتراجع “حزام الصمغ العربي” بسبب الجفاف والقطع الجائر.
الإقليم الأوسط: يشهد قلب السودان الزراعي كارثة حقيقية تمثلت في التدمير الممنهج لمشروع الجزيرة، مما أدى إلى توقف شبه كامل للإنتاج في المنطقة التي كانت تمثل صمام الأمان الغذائي للبلاد. تفاقم الوضع بسبب تدهور التربة وارتفاع ملوحتها نتيجة سوء إدارة المياه على مدى عقود، وانهيار البنية المؤسسية للمشروع وغياب الدورة الزراعية.
الإقليم الشرقي: تتجلى الأزمة في استنزاف خصوبة التربة نتيجة الزراعة الأحادية المستمرة للذرة، وانتشار نبات “المسكيت” الغازي الذي يقلل الرقعة الزراعية. يضاف إلى ذلك التوترات الحدودية المستمرة في منطقة “الفشقة” مع المزارعين الإثيوبيين.
إقليم النيل الأزرق: يواجه الإقليم مفارقة قاسية؛ حيث تتعارض إمكاناته الزراعية الهائلة مع قضايا “الاستيلاء على الأراضي” وتخصيص مساحات ضخمة للمستثمرين على حساب السكان المحليين. كما يواجه الإقليم تحديات السيول والفيضانات المتكررة التي تغرق المساحات المزروعة وتقطع الطرق، إلى جانب ضعف التمويل والميكنة الزراعية رغم خصوبة الأراضي..
الإقليم الشمالي: تواجه الزراعة الحديثة واقعًا اقتصاديًا صعبًا؛ فارتفاع تكلفة الطاقة بات العائق الأول الذي يهدد الجدوى الاقتصادية للإنتاج المروي ويحد من التوسع الزراعي. يضاف إلى ذلك ظاهرة “الهدام” (تآكل ضفاف النيل) التي تبتلع الأراضي الخصبة، وصعوبة تسويق التمور بسبب ضعف عمليات التصنيع والقيمة المضافة.
يؤكد هذا التباين الإقليمي على ضرورة تبني حزمة توصيات استراتيجية مرنة وقابلة للتكيف، تعالج جذور المشاكل بأساليب مصممة خصيصًا لكل سياق.
نحو عقد اجتماعي جديد من أجل التنمية الزراعية
إن أزمة القطاع الزراعي في السودان ليست مجرد مجموعة من المشاكل المنفصلة، بل هي أزمة هيكلية مترابطة تتطلب نهجًا شاملاً ومتكاملًا يجمع بين الإصلاحات القانونية والمؤسسية والاقتصادية والتقنية. إن محاولة معالجة جانب واحد، كتحسين الإنتاجية، دون إصلاح قوانين الأراضي أو توفير التمويل، ستبوء حتمًا بالفشل. علاوة على ذلك، يجب أن تكون الحلول حساسة للسياقات الإقليمية المختلفة، وأن تنتقل من الحلول المركزية الموحدة إلى سياسات مخصصة تعالج التحدي الأبرز في كل إقليم. إن مستقبل الزراعة في السودان يعتمد على كسر هذه الحلقة المفرغة من خلال تبني هذه الإصلاحات الجريئة كجزء من عقد اجتماعي جديد، يضع التنمية الزراعية المستدامة والعدالة في توزيع الموارد في صميم عملية إعادة بناء الدولة السودانية وتحقيق السلام والاستقرار.
مستشار التنمية الزراعية
saniali2010@gmail.com