حسن علي سنهوري
المقدمة: مأزق الدولة وضرورة التحول الاستراتيجي
بحلول عام 2026، لم يعد الصراع في السودان مجرد مواجهة عسكرية على السلطة، بل أظهر أزمة وجودية أعمق تتمثل في غياب “شخصية الدولة” القادرة على تحديد مصالحها العليا. إن تحوّل الجغرافيا السودانية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية هو “عَرَض” لمرض بنيوي أصيل وليس سبباً له؛ فالفراغ السيادي هو الذي استدعى التدخلات، وليس العكس. وفي هذه المعادلة الصفرية، يبرز القطاع الزراعي ليس كضحية للحرب فحسب، بل كرهان استراتيجي أوحد لتحقيق “الندية السيادية”. يتجاوز هذا المقال الخطاب العاطفي الذي يصنّف الجيران كأشقاء أو أعداء، ليقدم رؤية واقعية تقترح “تأميم القرار الوطني” عبر فهم منطق الدولة؛ فامتلاك مشروع وطني هو الضمانة الوحيدة لتحويل الأطماع الخارجية إلى شراكات تنموية مستدامة.
فلسفة المصالح في العلاقات الدولية: “ما وراء العاطفة“
هل تساءلت يوماً كيف يمكن لـ”العدو اللدود” أن يتحول فجأة إلى “صديق مقرب” في عالم السياسة؟ غالبًا ما نغرق في الإعلام بمصطلحات مثل “العلاقات الأخوية” و”الدول الشقيقة”، لكن ما يحدث خلف الكواليس يدار بلغة مختلفة تمامًا، لغة باردة ومحكومة بالأرقام، والموارد، والبقاء الاستراتيجي. يجب أن ندرك أن الدولة في جوهرها هي “مؤسسة” تسعى للبقاء والازدهار، وليست “شخصًا” يشعر بالحب أو الغضب. في فقه السياسة الاستراتيجية، تُدار العلاقات الدولية وفقًا لـ”منطق المؤسسة” وليس “منطق الأشخاص”؛ فالدول كائنات مصلحية غايتها البقاء والنمو. بالنسبة للدولة السودانية وهي تواجه اختبار البقاء، تُعد الطهارة الأيديولوجية أو الانحيازات العاطفية ترفًا لا يمكن تحمله. ويؤكد التاريخ الجيوسياسي أن المصالح غالبًا ما تتجاوز الأيديولوجيا والعداء التاريخي؛ فخلال الحرب العالمية الثانية، تحالف الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة رغم تناقضاتهما الوجودية (الرأسمالية مقابل الشيوعية) لهزيمة ألمانيا النازية، قبل أن يعودا إلى منطق الصراع في الحرب الباردة بعد زوال الخطر المشترك. كما شهدت السنوات الأخيرة تحولًا في العلاقات التركية مع مصر والإمارات والسعودية، حيث انتقلت من التوتر الحاد إلى التقارب الاقتصادي نتيجة لتغير حسابات المكاسب الجيوسياسية. هذا الفهم يوضح أن دعم الدول لأطراف النزاع في السودان لا ينبع من كراهية للشعب السوداني أو محبة لأحد أطرافه، بل هو تطبيق مباشر لمنطق مصالحها الوطنية الخاصة.
دراسة حالة: قراءة في الدوافع المصرية والإماراتية
تتحرك مصر والإمارات في السودان مدفوعتين باعتبارات “الأمن القومي” والتوسع الجيواقتصادي، حيث يمثل السودان حاجة حيوية لا تقبل الفراغ لكلا البلدين.
الدولة المصرية: تتمحور المصالح الاستراتيجية للقاهرة حول ضمان حصتها من مياه النيل، وحماية حدودها، ومنع تحول السودان إلى “دولة فاشلة” تصدّر السلاح واللاجئين. تؤمن مصر بأن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي دعم “المؤسسة العسكرية” بوصفها الضمانة الوحيدة لتماسك الدولة السودانية والالتزام بالاتفاقيات المائية. ينبع هذا الاعتقاد من إيمان النخب المصرية بأن الجيش هو العمود الفقري للدولة، وهو مفهوم متجذر في الوعي السياسي المصري نتيجة لطبيعة دولتهم وموقعهم الجيوسياسي الذي جعلهم مطمعاً للقوى الخارجية تاريخياً، لا سيما مع التهديدات المحتملة من جانب إسرائيل. يدفع هذا المنظور القاهرة إلى إسقاط نموذجها الداخلي على السودان؛ غير أن الواقع العملياتي الراهن يشير إلى “مزيج من الفشل البنيوي” في هذه الرؤية، إذ لم يعد الرهان على المؤسسة العسكرية وحدها كافياً لضمان التماسك في ظل غياب مشروع وطني سوداني يحدد “شخصية الدولة”.
الإمارات العربية المتحدة: ترتكز مصالحها الاستراتيجية على السيطرة على خطوط التجارة البحرية، وتأمين “سلة غذاء” مستقبلية، ومنع عودة تيار “الإسلام السياسي” إلى السلطة. وترى الإمارات أنها تستطيع تحقيق ذلك عبر بناء تحالفات مرنة مع قوى قادرة على تأمين مصالحها الاقتصادية والأمن الغذائي، وتطويق الحركات الأيديولوجية.
إن التدخلات الخارجية في السودان ليست عملاً خيرياً ولا عداءً مطلقاً، بل هي نتاج حسابات استراتيجية دقيقة تفرضها البيئة الإقليمية. ومواجهة هذا الواقع تتطلب استجابة وطنية موحدة تفهم دوافع الآخرين لكي تتمكن من إدارتها على قدم المساواة..
الآثار الاستراتيجية للتدخلات الخارجية:
تحوّل الصراع المحلي إلى “حرب بالوكالة”، ما نقل مفاتيح إنهاء العمليات العسكرية من الأيدي الوطنية إلى عواصم خارجية. وقد أدّى تعدّد الوسطاء (جدة، الاتحاد الأفريقي، الإيغاد) وتضارب أجنداتهم إلى منح الأطراف المحلية فرصة للمناورة السياسية والتهرّب من الالتزامات الوطنية، كما أدى التنافس المحموم على الذهب والأراضي الزراعية والموانئ إلى إبرام اتفاقيات مشبوهة تفتقر إلى الشرعية الوطنية وتستنزف ثروات الأجيال. إن هذا الانكشاف السيادي الحاد الذي شهدناه في عام 2026 ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة المنطقية لغياب “الكتلة التاريخية” منذ فجر الاستقلال.
أزمة “شخصية الدولة السودانية”: جذور الضعف البنيوي
يُعزى سهولة اختراق السيادة السودانية إلى المسار المتعثر لبناء «الشخصية السياسية» للدولة منذ استقلالها عام 1956، إذ فشلت النخب المتعاقبة في تحويل الهوية الثقافية والاجتماعية المتجذرة إلى كيان سياسي صلب وموحد. ويمكن تلخيص أبرز محطات هذا الفشل فيما يلي:
- أزمة الهوية بعد الاستقلال: تمثل الفشل في بلورة إجماع وطني حول الهوية (عربية/أفريقية) أو شكل الحكم (مدني/ديني) في غياب «كتلة تاريخية» قادرة على حماية السيادة.
- عهد جعفر نميري: اعتمد النظام سياسة «التذبذب الاستراتيجي» بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكان هدفه الأساسي هو «بقاء النظام» وليس «قوة الدولة»، مما جعل السيادة الوطنية أداة للمناورة الخارجية.
- حكم الحركة الإسلامية: أعطى هذا النظام الأولوية لـ «الأجندة الأيديولوجية العابرة للحدود» على حساب المصلحة الوطنية، مما اضطره لتقديم «تنازلات سيادية» كبرى، كان انفصال جنوب السودان عام 2011 أبرز ثمنها المدفوع لاستمرار النظام.
- الحرب الراهنة (2023-2026): تمثل هذه الفترة ذروة «تآكل شخصية الدولة»، حيث أصبح القرار السيادي موزعاً بين عواصم إقليمية ودولية (القاهرة، أبو ظبي، الرياض، واشنطن، موسكو)؛ نتيجة الارتهان الكامل للدعم الخارجي في صراع داخلي على السلطة.
لماذا تعثر المسار؟ المعوقات الهيكلية الثلاثة
ثمة ثلاثة عوائق بنيوية حالت دون تشكل شخصية دولة سودانية مستقلة: أولاً: حالة الهدم والبناء المستمرة بين ديمقراطيات هشة وانقلابات عسكرية متكررة، مما منع تراكم «التقاليد المؤسسية» وحال دون صياغة عقيدة ثابتة للعلاقات الدولية، ثانياً: الاعتماد المزمن على القروض والمعونات، الذي جعل السيادة الوطنية رهينة لإملاءات الصناديق الدولية والدول المانحة، حيث استُخدم «التدخل الناعم» لإعادة هندسة السياسات الداخلية، وثالثاً: انخراط القوات المسلحة في العملية السياسية، وحوّلها إلى فاعل سياسي يناور في ساحة الاستقطابات الإقليمية.
هذه المعوقات مجتمعة هي التي قادت السودان إلى لحظة 2026 الراهنة، حيث يمتزج «التدخل الخشن» بـ «التدخل الناعم» لإعادة صياغة مستقبل البلاد في ظل غياب الرؤية الوطنية الموحدة.
المخرج من نفق التبعية:
الدرس الأهم الذي ينبغي أن يستوعبه كل باحث ومواطن هو أن لوم الدول الخارجية على سعيها لتحقيق مصالحها هو شكل من أشكال “الهروب الأخلاقي” من المسؤولية الوطنية. فالتحركات الخارجية ليست سوى “أعراض” لمرض يتمثل في غياب المشروع الوطني. إن تشكيل هوية الدولة في عام 2026 وما بعده لا يتحقق عبر “معاداة الخارج”، بل عبر بناء الداخل على أسس المواطنة والتوصل إلى توافق وطني حول المصالح العليا، يشمل كافة القوى المدنية والعسكرية التي تؤمن بحتمية قيام دولة ذات سيادة وطنية عبر مشروع يفرض رؤيته لواقع ومستقبل السودان، ويحول العلاقات الدولية من تبعية مذلة إلى شراكة استراتيجية تخدم مصالح الشعب السوداني أولاً وأخيراً.
مدخل للمقال القادم: القطاع الزراعي في قلب العاصفة الجيوسياسية
لا يمثل القطاع الزراعي في السودان مجرد نشاط اقتصادي متعثر، بل هو “المحرك الجدلي” للنزاعات؛ فالتنافس الدولي الشديد على الموارد الزراعية، في ظل غياب سيادة الدولة، كان السبب الرئيسي للحروب الداخلية المتعلقة بالأرض. وبدلًا من أن تكون الزراعة قاطرة للتنمية المتوازنة، تحولت تحت وطأة الأجندات الخارجية إلى أداة لتعميق النزاعات العرقية والمناطقية، مما يؤكد أن غياب “المشروع الوطني” يحوّل النعمة (الموارد) إلى نقمة (حرب). إن بناء قطاع زراعي قادر على المساهمة الفعالة في تحقيق التنمية الشاملة المستدامة التي تؤدي إلى سلام دائم في السودان، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود كيان دولة سودانية مستقلة قادرة على فرض أجندتها التي تخدم الإنسان السوداني. وهذا ما سنستعرضه في المقال القادم.
مستشار التنمية الزراعية