حربنا ضد انفسنا
عبدالعزير بخات المحامي
والمدافع عن حقوق الإنسان
منذ فجر الاستقلال كان يفترض ان يكون السودان دولة سلام وبناء لكنه دخل فعليا في اطول حرب اهلية في التاريخ الحديث منذ عام ١٩٥٥ وحتى لحظة كتابة هذا المقال حرب لم تتوقف الا لتغيير اسمائها وواجهاتها بينما ظل الضحايا هم ابناء الشعب السوداني وحدهم
من حرب الجنوب الاولى عام ١٩٥٥ ثم الثانية ثم جبال النوبة والنيل الازرق ثم دارفور ثم الشرق ثم الخرطوم حرب ١٥ ابريل لم يكن القتلى غرباء ولم تكن الدماء مستوردة كل من ماتوا سودانيون كل الارامل سودانيات وكل الايتام سودانيون والدم الذي سال كان من جسد واحد والقاتل سوداني
كل الاموال التي صرفت على الحرب منذ ١٩٥٥ هي اموال الشعب السوداني طيران ودبابات وعربات واسلحة وذخيرة وتدريب وكوادر بشرية انتهت قتلى او معاقين كان يمكن ان تبني مدارس ومستشفيات ومشاريع زراعية وتؤسس دولة محترمة ذات سيادة لكن البندقية كانت دائما اعلى صوتا من العقل
في نفس هذه السنوات الطويلة كانت دول في العالم غير معروفة تخرج من الفقر والتخلف وتصبح دولا مستقرة لان شعوبها واجهت اخطاءها بينما نحن ظللنا نهرب من الاعتراف ونعيش على اكذوبة التدخل الخارجي ونحمل فشلنا للاخرين ونرفض النظر في المرآة
الهروب من الواقع لم يمنع استيراد السلاح بل فتح الباب لاستيراد الموت وتدمير البنية التحتية والزراعة والغابات والمعادن وتهجير العقول حتى اصبحت فكرة المستقبل الوحيدة عند الشباب هي الخروج من السودان وكأن الوطن صار محطة عبور لا بيتا
كيف لبلد يملك النيلين والنيل العظيم واراضي زراعية شاسعة وتنوعا في التربة والمناخ ان يعجز عن علاج مواطنيه كيف يصبح العلاج خارج السودان حتى للرؤساء والدستوريين بلا خجل بينما المستشفيات مدمرة والحرب مستمرة وهناك من يسعى لاستمرارها بخطاب كراهية يفتت النسيج الاجتماعي ويحيل الصراع السياسي الى حروب دينية وقبلية
نظام الحركة الاسلامية يتحمل مسؤولية تاريخية عن عسكرة الدولة وتحويل الخلاف السياسي الى دم وعن نهب الموارد وقطع العلاقات الدبلوماسية وكبت الشعب وغياب الشفافية والسؤال المشروع لماذا تخصص اخوان السودان في قتل المواطن السوداني ولم يعرفوا غير البندقية طريقا للحكم؟
ان حرب ١٥ ابريل لم تكن حدثا معزولا بل كانت معمل كشف لمعنى الحرب الذي عاشه اهل جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الازرق ودارفور لسنوات طويلة عرفنا جميعا معنى النزوح واللجوء والموت من انعدام العلاج وهذا يفرض وعيا جديدا بان الالم واحد والدم واحد
لم يبدأ قتل الشباب في ١٥ ابريل بل سبق ذلك في المواكب السلمية بالقنص المباشر في شارع القصر الجمهوري امام كاميرات العالم من قتل الشباب؟ ومن القى بالجثث في النيل ؟ومن اخفى العشرات؟ ومن عذب داخل المعتقلات؟ هذه جرائم سبقت الحرب وتؤكد ان الهدف الحقيقي كان ثورة ديسمبر وشبابها
وفق القانون الدولي الانساني فان استهداف المدنيين والقتل العمد والتعذيب والاختفاء القسري وتدمير الاعيان المدنية جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما وتتحمل الحكومات العسكرية المسؤولية الجنائية والسياسية والتاريخية عن ذلك ولا يسقط الحق بالتقادم
وعي السودانيين اليوم يجب ان يقوم على حقيقة بسيطة كل من ماتوا ابناء هذا الشعب والحرب لا تصنع وطنا ولا تحمي دولة ومن يربح الحرب يخسر السلام ومن اشعل النار لا ينجو من دخانها
يقول الحكماء اذا اختلفت الفيلة فالارض هي التي تتألم ويقول المثل الحرب اولها كلام واخرها ندم ويقال من جرب المجرب حلت به الندامة والدم لا يغسل الدم بل يزيده سوادا
الخروج من هذه الدائرة يبدأ بالاعتراف بالخطأ وبمحاسبة الجرمين ورفض اعادة انتاج المشروع الذي دمر السودان منذ ١٩٥٥ وحتى اليوم مشروع شرعنت الموت بالكرامة فهذه حرب ضد انفسنا واستمرارها خيانة للمستقبل وصمتنا عنها مشاركة فيها.
نواصل
بمشيئة الله
بتاريخ ١١/فبراير 2026