مصر والحرب على السودان: استعمار قديم بوجه جديد
عبدالعزير بخات المحامي والمستشار
القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان
منذ اندلاع حرب 15 أبريل، اتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر لم تكن وسيطاً ولا مراقباً ولا طرفاً محايداً، بل كانت فاعلاً سلبياً مستفيداً من استمرار الحرب، وساعية إلى إطالتها عبر دعم بقاء الحكم العسكري، ورفض أي مسار يقود إلى دولة مدنية سودانية مستقلة. فالحرب بالنسبة لمصر ليست مأساة إنسانية، بل فرصة استراتيجية واقتصادية، تُبقي السودان ضعيفاً، ممزقاً، وعاجزاً عن اتخاذ قراره الوطني بحرية.
لقد عملت مصر منذ الأيام الأولى للحرب على حماية مصالحها لا على حماية الشعب السوداني، وساهمت سياسياً وإعلامياً في شرعنة طرف عسكري ورفضت بوضوح أي انتقال مدني حقيقي، لأن قيام دولة سودانية ديمقراطية يعني نهاية الوصاية، ونهاية التحكم غير المباشر في القرار العسكري والسيادي، ونهاية نهب الموارد دون مساءلة. استمرار الحرب يعني لمصر اقتصاداً سودانياً منهاراً تابعاً، وحدوداً مفتوحة للاستنزاف، ودولة عاجزة عن التفاوض الندي في قضايا المياه والزراعة والسيادة.
هذا الدور التخريبي ليس جديداً، بل هو امتداد مباشر لتاريخ طويل من الاستعمار والهيمنة. فقد كانت مصر هي القوة التي دشّنت استعمار السودان عام 1820 عبر الغزو التركي–المصري بقيادة محمد علي باشا، وهو غزو استهدف نهب الموارد وتجنيد السودانيين قسراً وتحويل البلاد إلى مخزن ثروات يخدم الخزانة المصرية. لم يكن ذلك فتحاً ولا وحدة، بل استعماراً عسكرياً كاملاً، شهد فرض الضرائب القاسية، وتدمير البنى الاجتماعية، وسحق أي مقاومة وطنية.
وعندما سقط الحكم التركي–المصري بثورة المهدية، لم تتخلَّ مصر عن أطماعها، بل عادت شريكاً في الحكم الإنجليزي–المصري بعد عام 1899، في صيغة استعمارية جديدة جُرّد فيها السودان من أي شخصية قانونية، وأُخضع لإدارة أجنبية كانت مصر فيها شريكاً في السيطرة لا ممثلاً للسودانيين. هذا الحكم الثنائي لم يكن سوى إعادة تدوير للاستعمار، حيث استُخدمت مصر كأداة إقليمية لضمان استمرار إخضاع السودان ومنع تطوره كدولة مستقلة.
وبعد الاستقلال الشكلي، لم تنسحب مصر من السودان، بل غيّرت أدواتها. أخطر هذه الأدوات كانت المؤسسة العسكرية السودانية نفسها، التي أُنشئت وتكوّنت على النموذج المصري، منذ العام ١٩٢٥ تقريبآ في الكليات الحربية المصرية، بما جعل هذه المؤسسة بعيده عن ارتباطها بالإرادة الشعبية السودانية. ومن هنا، لم تكن الانقلابات العسكرية المتكررة في السودان مصادفة، بل آلية ممنهجة لإجهاض أي مسار ديمقراطي كلما اقترب الشعب من حكم نفسه.
إن الانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة، منذ 1958 مروراً بـ1969 و1989 وحتى ما قبل حرب 15 أبريل، تشترك جميعها في هدف واحد: قطع الطريق أمام الدولة المدنية، وإعادة السودان إلى مربع التبعية. وقد ظل العامل المصري حاضراً، دعماً أو تنسيقاً أو صمتاً متواطئاً، بما يوفّر الغطاء الإقليمي لإجهاض التحول الديمقراطي.
سلبيات الدور المصري لا تتوقف عند السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد والموارد. فقد استفادت مصر تاريخياً من نهب الذهب والزراعة والثروة الحيوانية، ولا تزال تستفيد من ضعف الدولة السودانية في السيطرة على مواردها وحدودها. كما استفادت من تحويل السودان إلى سوق قسري للمنتجات المصرية، ومصدراً للعمالة الرخيصة، ومجالاً مفتوحاً لتصفية أزماتها الاقتصادية.
إن ما تقوم به مصر يمثل، وفق القانون الدولي، انتهاكاً صارخاً لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة وإعلان مبادئ العلاقات الودية بين الدول. فدعم الانقلابات، أو إطالة أمد الحروب، أو استخدام أدوات داخلية لإدارة دولة أخرى، يُعد جريمة سياسية دولية لا تسقط بالتقادم.
وعليه، فإن تقديم مصر اليوم كجزء من أي مبادرة أو رباعية لوقف الحرب هو إعادة إنتاج للاستعمار بغطاء دبلوماسي، وتكريس للوصاية التي دفع الشعب السوداني ثمنها دماً وتشريداً وفقراً. فلا سلام يصنعه من استفاد من الحرب، ولا سيادة تُبنى تحت إشراف من صادرها تاريخياً.
هذه معركة وعي قبل أن تكون معركة سياسة. والسودان لن يخرج من الحرب إلا بقطع كل أشكال التبعية، وفضح الدور المصري، وبناء دولة مدنية حرة، لا تُدار من الخارج، ولا تُختطف من العسكر، ولا تُنهب باسم الجوار أو التاريخ.
نواصل
بمشيئة الله