النيل الأزرق: جبهة قتال قد ترسم ملامح السودان السياسي والعسكري لسنوات مقبلة
أصدر مركز ACLED في آخر يناير الماضي تقريراً عن جبهة القتال في ولاية النيل الأزرق، وتنبع أهمية التقرير كونه صادر من أهم المراكز البحثية المستقلة والمتخصصة في جمع وتحليل ورسم خرائط بيانات العنف السياسي والاحتجاجات حول العالم، ويُعد من أهم المراجع العالمية في هذا المجال.
يوثق المركز كل حادثة عنف سياسي أو اشتباك أو احتجاج وفقاً للمعطيات التالية “من هو الطرف؟ أين؟ متى؟ كيف؟ وبأي مستوى عنف”.
وفي هذا الصدد لا يتعامل المركز مع الأحداث التي شهدتها ولاية النيل الأزرق؛ لا يتعامل معها كاشتباك ميداني عابر في الولاية، بل يقدم تحذيرا استراتيجيا مبكرا من انتقال الحرب السودانية إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تتسم بتوسع الجبهات، وتشكل تحالفات غير مسبوقة، وتصاعد الأبعاد الإقليمية للصراع.
التقرير يطرح فرضية مركزية مفادها أن النيل الأزرق لم تعد جبهة هامشية، بل تحولت إلى ساحة اختبار حاسمة: إما أن تمكن قوات الدعم السريع من استعادة زمام المبادرة بعد خسارة الوسط، أو تثبت تفوق الجيش السوداني وتحول مكاسبه التكتيكية إلى تفوق استراتيجي طويل الأمد.
أولاً: الأطروحة المركزية للتقرير
ينطلق التقرير من فرضية واضحة:
من يسيطر على النيل الأزرق يملك القدرة على التأثير في مصير وسط السودان. فالمعركة في هذه الولاية ليست معركة حدودية أو جانبية، بل صراع على بوابة جغرافية – عملياتية تفتح أو تغلق الطريق نحو سنار، ثم الجزيرة، ثم الخرطوم. وعليه، فإن ما يجري في محلية “باو والكرمك ويابوسا” قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود الولاية نفسها لتطال مستقبل الخريطة السياسية والعسكرية للسودان بأكمله.
ثانياً: لماذا النيل الأزرق الآن؟
عناصر التحول الاستراتيجي:
البعد الجغرافي – العملياتي: تمتلك ولاية النيل الأزرق ثلاث خصائص تجعلها مغرية لأي طرف يسعى لتغيير ميزان الحرب: موقع بوابة: تشكل المعبر الطبيعي نحو ولاية سنار، آخر الحواجز الدفاعية قبل الوصول إلى وسط السودان.
عمق لوجستي إقليمي: قربها من حدود إثيوبيا وجنوب السودان يتيح، نظريا، مسارات إمداد بديلة بعيدة عن القبضة المباشرة للجيش السوداني.
الربط بين الجبهات: فتح جبهة في النيل الأزرق يخفف الضغط عن قوات الدعم السريع وحلفائها في كردفان، ويجبر الجيش السوداني على تشتيت قواته بين عدة مسارح عمليات.
بذلك، تتحول الولاية من هامش جغرافي إلى عقدة استراتيجية Strategic Node في شبكة الصراع.
التحالفات الجديدة: العامل الأخطر
أخطر ما في التقرير ليس الاشتباك ذاته، بل التحالف العملياتي بين: قوات الدعم السريع، ذات الطابع شبه النظامي والامتداد القبلي – التجاري في غرب السودان، وفصيل الحركة الشعبية – شمال “جناح عبد العزيز الحلو”، ذي الجذور الأيديولوجية والانتشار في مناطق الهامش الجنوبي وجبال النوبة.
هذا التحالف: يوحد خصوما مختلفين إثنيا وجغرافيا وسياسيا ضد عدو مشترك. يخلق تهديدا مركبا يجمع بين:
تكتيكات الحركة السريعة والانتشار المرن للدعم السريع، والمعرفة المحلية العميقة لفصيل الحلو بالبيئة الريفية والجبلية. ورغم أنه تحالف مصلحي مؤقت على الأرجح، إلا أنه – على المدى القصير – قادر على إرباك حسابات الجيش السوداني.
البعد الإقليمي: إثيوبيا كظل حاضر
يلمح التقرير، بحذر محسوب، إلى اتهامات الجيش السوداني لإثيوبيا بدعم الدعم السريع لوجستيا وتدريبيا. سواء ثبتت هذه الاتهامات بالكامل أم لا، فإن مجرد تداولها يعكس تدويلا متزايدا للصراع، واحتمال تحول النيل الأزرق إلى مسرح صراع بالوكالة. هذا البعد الإقليمي يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويجعل أي حسم عسكري داخلي أكثر صعوبة.
ثالثاً: السياق الزمني – هجوم بدافع الدفاع
يؤكد التقرير، ضمنيا، أن تحرك الدعم السريع والحلو نحو النيل الأزرق هو رد فعل لا مبادرة فالجيش السوداني حقق منذ أواخر 2024 وحتى مايو 2025 مكاسب كبيرة في الوسط. ومنذ ديسمبر 2025 كثف عملياته الجوية والبرية في شمال وجنوب كردفان، مستعيدا مواقع متعددة ومضيقا الخناق على خصومه. بالتالي، فإن فتح جبهة النيل الأزرق هو محاولة لـاستعادة المبادرة وكسر الزخم العسكري للجيش، وإجباره على القتال في عدة اتجاهات في آن واحد.
رابعاً: ميزان التحديات بين الطرفين
تحديات الدعم السريع وحلفائه:
١ – صعوبة تكرار سيناريو 2023: التعبئة الشعبية والعسكرية للجيش في الوسط تجعل أي تقدم نحو الخرطوم أكثر كلفة وتعقيدا.
٢ – هشاشة التحالف: اختلاف الأجندات بين الدعم السريع والحلو قد يحد من فعالية التنسيق على المدى المتوسط.
٣ – التعرض للقوة الجوية: أي خطوط إمداد مكشوفة في النيل الأزرق ستكون هدفًا مباشرا للطيران.
تحديات الجيش السوداني:
١- حرب متعددة الجبهات: القتال المتزامن في كردفان والنيل الأزرق يستنزف الموارد ويطيل خطوط الإمداد.
٢-حرب استنزاف محتملة: الطبيعة الجغرافية الوعرة قد تمنح فصيل الحلو أفضلية نسبية في القتال طويل الأمد.
٣-البعد الإقليمي: أي تصعيد خارجي سيقيد حرية الحركة السياسية والعسكرية للجيش.
خامساً: السيناريوهات المحتملة
نجاح الدعم السريع:
السيطرة على النيل الأزرق وفتح الطريق نحو سنار، ما يهدد مكاسب الجيش في الوسط ويعيد الحرب إلى مناطق اعتُقد أنها حسمت.
فشل الهجوم:
احتواء التهديد في النيل الأزرق، تفكك التحالف المعادي، وترسيخ تفوق استراتيجي يسمح للجيش بالتركيز على حسم جبهة كردفان.
الجمود والاستنزاف:
لا نصر حاسم لأي طرف، تصاعد الكلفة الإنسانية، وتحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي طويل الأمد.
واقعية التقرير
ربط التقرير بصورة ذكية بين الجبهات المختلفة وقدم قراءة استباقية لنقطة تحول محتملة، كما حذر في الاستنتاج دون تهويل. كما تقيد التقرير بالاعتماد الجزئي على روايات الأطراف، إضافة إلى تركيز محدود على البعد الإنساني.
في خلاصة التقرير لا يقدم خبرا، بل جرس إنذار استراتيجي؛ فالنيل الأزرق أصبحت اختبارا مزدوجا لاختبار قدرة الجيش السوداني على تحويل مكاسبه العسكرية إلى تفوق دائم، ولاختبار قدرة الدعم السريع على إعادة ابتكار نفسه عبر تحالفات جديدة وجبهات بديلة. نتيجة هذا الاختبار لن تحدد فقط مسار الحرب في الأشهر المقبلة، بل قد ترسم ملامح السودان السياسي والعسكري لسنوات مقبلة.
” صحيح السودان”