
ترى الكاتبة السودانية الأميركية سها موسى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تخلق أزمة جديدة في السودان بقدر ما عمّقت حربا أهلية كانت أصلا تتحول تدريجيا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي بالوكالة.
وتقول إن السودان، الذي يعيش أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم، أصبح من أكثر الدول هشاشة أمام الارتدادات الجيوسياسية للحرب في الشرق الأوسط، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الإنساني.
بدأت الأزمة السودانية الحالية في أبريل 2023، عندما انفجر الصراع على السلطة بين قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”. ومنذ ذلك الحين، تحولت الحرب إلى ساحة تنافس إقليمي معقد، تتداخل فيها مصالح الإمارات والسعودية وإيران وروسيا ومصر وإثيوبيا والولايات المتحدة.
وتشير المقالة إلى أن الحكومة السودانية اتهمت هذا الشهر إثيوبيا والإمارات بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة داخل السودان، وسحبت سفيرها من أديس أبابا، في تصعيد يعكس اتساع الحرب بالوكالة.
وترى الكاتبة أن الحرب على إيران عقدت المشهد أكثر، لأن الأطراف نفسها متورطة في أزمات متعددة ومتداخلة.
فالسودان كان يوما أقرب حليف إفريقي لإيران، قبل أن يقطع علاقاته معها عام 2016 تضامنا مع السعودية. لكن بعد اندلاع الحرب الأهلية، أعادت الخرطوم العلاقات مع طهران، وسط تقارير عن حصول الجيش السوداني على طائرات مسيّرة إيرانية لدعم معركته ضد قوات الدعم السريع.
وفي الوقت نفسه، لا تزال السعودية أحد أبرز الداعمين السياسيين والماليين للجيش السوداني، ما وضع البرهان في موقع حساس بين حليفين متنافسين: الرياض وطهران.
فعندما بدأت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في فبراير، أبدى بعض حلفاء الجيش السوداني تعاطفا مع طهران، لكن بعد الرد الإيراني الواسع في الخليج، اضطر البرهان إلى إدانة الهجمات تحت ضغط خليجي، ثم سارع إلى لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وسلطان عمان هيثم بن طارق لضمان استمرار الدعم السياسي والعسكري.
أما قوات الدعم السريع، فتتهمها الخرطوم بالحصول على دعم إماراتي وروسي، سواء عبر التمويل أو تهريب الذهب أو السلاح أو المرتزقة. وتشير المقالة إلى أن مجموعة “فاغنر” الروسية كانت تعمل في السودان منذ سنوات، قبل أن تحل محلها “أفريكا كوربس” التابعة مباشرة للدولة الروسية.
وتقول الكاتبة إن اهتمام موسكو بالسودان ازداد مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، لأن روسيا تسعى إلى تعزيز وجودها على البحر الأحمر وتأمين موانئ استراتيجية.
وفي مارس 2025، رفعت السودان دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات، متهمة إياها بالتواطؤ في الإبادة الجماعية عبر دعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
لكن الحرب الإيرانية أثرت حتى على خطوط إمداد الدعم السريع. فمع تعرض الإمارات نفسها لهجمات إيرانية، بدأت — بحسب تقارير — تبحث عن طرق جديدة لتمرير السلاح عبر إثيوبيا وأفريقيا الوسطى، كما يُعتقد أنها تمول معسكرات تدريب للدعم السريع داخل إثيوبيا.
وتلفت المقالة إلى أن معظم دول الجوار السوداني، باستثناء مصر وإريتريا الداعمتين للجيش، سمحت بشكل أو بآخر لقوات الدعم السريع بالعمل على أراضيها.
وترى الكاتبة أن المسار الدبلوماسي لإنهاء الحرب يكاد يكون مشلولا. فمجموعة “الرباعية” الخاصة بالسودان — التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر — تعاني تناقضات داخلية، لأن الدول العربية الثلاث تدعم أطرافا مختلفة في الحرب.
كما تتهم واشنطن بالتركيز على مواجهة إيران أكثر من معالجة جذور الأزمة السودانية، مستشهدة بتصنيف الولايات المتحدة للإخوان المسلمين السودانيين منظمة إرهابية بسبب صلاتهم بالحرس الثوري الإيراني، من دون التطرق لدورهم التاريخي داخل النظام السوداني والجيش.
أما إنسانيا، فتقول المقالة إن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الشحن والطاقة والمواد الغذائية فاقم الكارثة داخل السودان.
فأكثر من 33.7 مليون سوداني يحتاجون اليوم إلى مساعدات إنسانية، بينما تعطلت سلاسل الإمداد بشكل خطير:
شحنات أدوية بقيمة أكثر من 130 ألف دولار تعطلت في دبي.
مساعدات طبية مخصصة لأكثر من 400 ألف طفل تأخرت.
تكاليف نقل المساعدات تضاعفت في بعض الحالات.
وتضيف الكاتبة أن السودان يعتمد بشكل كبير على واردات الأسمدة من الخليج، وقد أدى اضطراب الملاحة إلى ارتفاع أسعار اليوريا بنحو 99%، ما يهدد الموسم الزراعي المقبل ويعمق خطر المجاعة.
ورغم أن مؤتمر برلين الأخير جمع أكثر من مليار دولار كمساعدات، فإن الأمم المتحدة تقول إن السودان يحتاج إلى أكثر من 2.2 مليار دولار هذا العام فقط لتغطية العمليات الإنسانية الأساسية.
وتخلص المقالة إلى أن السودان يواجه خطر التحول إلى “حرب أبدية”، بينما ينشغل العالم بحرب إيران وتداعياتها. وتحذر من أن تجاهل السودان اليوم لا يعني فقط استمرار مأساة إنسانية، بل انهيارا إقليميا قد يمتد تأثيره إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وأمن الغذاء والهجرة والاستقرار في المنطقة بأكملها.






