
–حسن علي سنهوري
موائمة الأطر والسياسات الإقليمية والدولية (1-2)
- المقدمة: الزراعة كمحرك جيوسياسي وتنموي
تناولنا في المقال السابق الإطار المفاهيمي للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار في السودان، لتأسيس الركيزة النظرية لرؤيتنا حول دور الزراعة في مرحلة ما بعد الحرب. وسنخصص هذا المقال وما يليه لاستعراض الأطر والسياسات الإقليمية والدولية؛ لنستفيد من التجارب الناجحة ونتجنب التوجهات التي لا تتناسب مع واقعنا المحلي. فبما أن القطاع الزراعي يمثل حجر الزاوية في تحقيق الاستقرار الجيوسياسي وتعزيز الأمن القومي الشامل، فإن تباين “فلسفة الاستثمار” لدى المؤسسات الدولية والإقليمية يستوجب منا دراستها بتفصيلٍ أكبر؛ لضمان شمولية الاستثمار الزراعي في السودان واستدامته.
- البنك الدولي: المحرك الاقتصادي لنظم الغذاء:
تستند رؤية البنك الدولي التقليدية إلى نموذج نمو خطي يفترض أن تحرير الأسواق وتدفق رأس المال الأجنبي سيؤديان تلقائياً إلى التنمية. إلا أن تطبيق هذا النموذج على القطاع الزراعي في الدول النامية كشف عن فجوات جوهرية؛ إذ يتم التعامل مع الزراعة كنشاط تجاري بحت، مع إغفال أبعادها الاجتماعية والبيئية والأمنية. كما أدى التركيز على المدخلات المستوردة باهظة الثمن، كالبذور الهجينة والأسمدة الكيميائية، إلى إيقاع صغار المزارعين في فخ الديون عند حدوث أي تقلبات في السوق. علاوة على ذلك، فإن تصميم البرامج من قِبل خبراء دوليين دون إشراك المجتمعات المحلية أدى إلى ضعف استدامة هذه المشاريع بمجرد انتهاء فترة التمويل.
برامج التكيف الهيكلي والقطاع الزراعي
يفرض البنك الدولي “برامج التكيف الهيكلي” (SAPs) كشرط أساسي للحصول على القروض؛ حيث أُجبرت الحكومات على رفع الدعم عن مدخلات الإنتاج لتقليص العجز المالي، وإلغاء المؤسسات الوطنية التي تحمي صغار المزارعين من تقلبات السوق العالمية، وتوجيه الدعم نحو محاصيل التصدير (مثل القطن والبن والكاكاو) لتوفير العملة الصعبة اللازمة لسداد الديون، وذلك على حساب محاصيل الأمن الغذائي المحلي (مثل الذرة الرفيعة). وقد أدت هذه السياسات إلى تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي الريفية، وتفاقم معدلات الفقر المدقع، وتحويل الريف من مركز للإنتاج إلى بؤرة للأزمات الإنسانية والنزاعات على الموارد الأساسية كالأرض والمياه.
الاستجابة لمتطلبات البنك الدولي: تجربة ملاوي
تعد تجربة ملاوي في شرق أفريقيا نموذجاً يوضح تداعيات فرض النظريات الاقتصادية البحتة على بيئة ريفية هشة تعتمد على زراعة الكفاف. ففي التسعينيات، اشترط البنك الدولي على حكومة ملاوي إلغاء “البرنامج الوطني لدعم المدخلات الزراعية” وحل مؤسسة التسويق الحكومية (ADMARC)، تماشياً مع مبدأ تحرير السوق وترك تحديد أسعار الأسمدة والذرة لآليات العرض والطلب.
كانت النتيجة كارثية؛ إذ انخفض استخدام الأسمدة بشكل حاد وتدهورت خصوبة التربة، مما أدى إلى انهيار إنتاج المحصول الاستراتيجي الأول (الذرة). وفي عام 2005، عانت ملاوي من مجاعة مروعة تركت أكثر من ثلث السكان (نحو 5 ملايين نسمة) بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة. واضطرت الحكومة لاحقاً إلى تحدي شروط البنك الدولي وإعادة برنامج دعم الأسمدة (FISP)، مما أدى إلى قفزة في إنتاج الذرة، وتحولت ملاوي في غضون عامين إلى دولة مصدرة لفائض الغذاء، وهو ما أثبت عملياً خطأ الفرضية الأساسية للبنك.
مواءمة شروط البنك الدولي مع الخصوصية المحلية
على النقيض من تجارب التكيف الهيكلي القاسية، تمثل تجربة فيتنام بالتعاون مع البنك الدولي واحدة من أنجح قصص التحول الزراعي والتنمية الريفية في التاريخ الحديث. ففي أواخر الثمانينيات، كانت فيتنام تعاني من مجاعات وتستورد الأرز لتأمين حاجتها اليومية، وبحلول العقد الثاني من الألفية، تحولت إلى واحدة من أكبر ثلاث دول مصدرة للأرز في العالم، مع انخفاض مذهل في معدلات الفقر الريفي. ويكمن السر في أن التدخل لم يكن مفروضاً كـ “وصفة جاهزة”، بل جاء داعماً ومكملاً لإستراتيجية وطنية ذكية صاغتها الحكومة الفيتنامية.
كما تمثل رواندا مثالاً حياً في إلزام المؤسسات الدولية، بما فيها البنك الدولي، بالعمل تحت مظلة إستراتيجيتها الوطنية للتحول الزراعي (PSTA). حيث وُجهت الاستثمارات نحو أربعة برامج رئيسية: تأمين الحيازة العقارية ومكافحة الانجراف (البنية التحتية البيئية)، الابتكار وتكنولوجيا المدخلات (البذور والأسمدة المتكاملة)، تطوير سلاسل القيمة والتصنيع الغذائي، وبناء القدرات المؤسسية لصغار المزارعين.
إن سر نجاح العلاقة بين الحكومتين الفيتنامية والرواندية والبنك الدولي يكمن في مواءمة شروط البنك مع متطلبات التنمية الوطنية. فبدلاً من تفكيك دور الدولة أو التحرير العشوائي، استجاب البنك لدول ذات رؤية مركزية قوية ومؤسسات محلية نشطة، صممت حلولاً تبدأ بتمكين صغار المزارعين، وربطهم تدريجياً وبأمان بسلاسل القيمة العالمية عبر بنية تحتية وطنية متينة وقوانين أراضٍ تحمي ملكيتهم.
- منظمة الأغذية والزراعة (FAO): فلسفة الأفضليات الأربع
تعتبر منظمة “الفاو” الاستثمار الزراعي أداةً جوهرية لتحقيق الأمن الغذائي، وتحسين سبل العيش الريفية، والحد من الفقر، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات المناخية والاقتصادية، وليس مجرد تمويلٍ لعمليات الإنتاج. كما تنظر إليه وسيلةً لتحويل النظم الزراعية والغذائية لتصبح أكثر إنتاجية وكفاءة واستدامة، من خلال ربطها بسياسات داعمة، وأسواق فاعلة، وبنية تحتية متطورة.
أولويات الاستثمار الزراعي
تُمثّل “الأفضليات الأربع” إطاراً تحليلياً عملياً لإعادة ترتيب أولويات الاستثمار، متجاوزةً المنطق التقليدي الذي يربط النجاح بحجم الإنفاق وحده:
- إنتاج أفضل: يعني رفع الكفاءة والإنتاجية، وتقليل الفاقد، وتحسين الخدمات الفنية وسلاسل الإمداد، عبر توجيه الإنفاق نحو الري، والإرشاد الزراعي، والبحث العلمي، والتقنيات الذكية.
- تغذية أفضل: تنقل الاستثمار من مجرد تعظيم كميات السلع إلى تحسين جودة النظم الغذائية، مع التركيز على التنوع الغذائي، وسلامة الغذاء، وضمان إتاحة الأغذية المغذية للفئات الأشد احتياجاً.
- بيئة أفضل: تفرض إخضاع أي مشروع استثماري لاعتبارات بيئية صارمة تتعلق بالتربة، والمياه، والتنوع الحيوي، والانبعاثات؛ مما يجعل الاستدامة جزءاً لا يتجزأ من الجدوى الاقتصادية.
- حياة أفضل: تعيد الاعتبار للتوزيع العادل للمنافع، وتمكين النساء والشباب، وخلق فرص عمل في الريف، وتقليص الفجوة التنموية بين المركز والهامش.
تُعدّ هذه الأفضليات أداةً لهندسة الاستثمار الزراعي في الدول النامية بما يضمن التوازن بين الكفاءة، والعدالة، والاستدامة. ولن تقتصر صدارة الدول في المستقبل على قدرتها في جذب التمويل فحسب، بل ستُقاس بمدى نجاحها في توجيه الاستثمارات نحو نظم غذائية شاملة وقادرة على الصمود. وهنا تتحول الزراعة من مجرد قطاع إنتاجي إلى منصة تنموية شاملة، لا تُقاس قيمتها بما تُنتجه فحسب، بل بما تُصلحه وتُحفظه وتُوزعه.
في المقال القادم، نستعرض ونقارن أطر وسياسات الاستثمار الزراعي في آسيا وأمريكا الجنوبية، مع تركيز خاص على قارة أفريقيا.
–مستشار التنمية الزراعية
Saniali2010@gmail.com




