
ناصف بشير الأمين
يقوم العمل العام على منظومة من القيم والمبادئ التي تهدف في مجملها إلى خدمة المجتمع وتعزيز المصلحة العامة. وترتكز فلسفة العمل العام على تحمل المسؤولية واحترام سيادة القانون وحقوق المواطنة المتساوية والالتزام بمعايير الشفافية في اتخاذ القرارات وإدارة الموارد، والخضوع للمساءلة، بما يعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين. وإن مدى اقتراب الممارسة السياسية أو الحكومية في أي بلد من هذه المبادئ، أو ابتعادها عنها، هو المعيار الحقيقي لقياس موقعها على مؤشرات نجاح أو فشل نظام الحكم. والتراجع عن هذه المبادئ هو الذي يفتح الباب واسعا أمام الاستبداد والفساد ونهب وإهدار الموارد العامة، كما هو الحال في بلادنا، قبل وبعد شن الحرب الدائرة حاليا، ويقود – خاصة في ظل الاحتراب والانقسام الناتج عنه – إلى ضعف المؤسسات وتآكل مشروعيتها، بل إلى فشل وربما انهيار الدولة، في نهاية المطاف.
وقد يرى البعض أن الحديث المتكرر عن مبادئ النزاهة والشفافية والمسؤولية وسيادة القانون ليس سوى ترديد لما هو معلوم بالضرورة، أو ضرب من الوعظ الأخلاقي الذي لا يضيف جديدًا إلى النقاش العام. غير أن واقع السودان الراهن يجعل من استدعاء هذه المبادئ والتذكير بها ضرورة وطنية لا ترفًا فكريًا.
فحين تصل الأزمات السياسية والمؤسسية إلى مستويات تهدد بتقسيم وانهيار الدولة، ناهيك عن فشلها في أداء وظائفها الأساسية، يصبح من الضروري العودة إلى الأسئلة الأولية التي تتعلق بطبيعة السلطة ووظيفتها وأسس ممارستها.
ومن هنا فإن التذكير بهذه المبادئ لا ينطلق من نزعة وعظية أو مثالية مجردة، وإنما من إدراك أن أي مشروع ذي مصداقية للخروج من واقع الحرب والانقسام والفساد ونهب الموارد والفشل المؤسسي والتفريط في سيادة البلاد ورهنها للمحاور الخارجية لا يمكن أن ينجح ما لم يستند إلى معايير واقعية لإحياء قيم الخدمة العامة والمسؤولية والنزاهة والشفافية واحترام سيادة القانون وحقوق المواطنة المتساوية بلا تمييز. فهذه ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي الأساس لأي مشروع مستقبلي للبناء الوطني وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
إن مفهوم “المسؤول” في الدولة الحديثة مشتق من فهم للوظيفة العامة باعتبارها خدمة عامة للمواطنين، وأن من يتولاها يعتبر “خادما” مكلفًا بخدمتهم وحماية مصالحهم، ولكن ينهض في سياق مقابل، مفهوم مغاير هو مفهوم “الأمير”، والذي من خلاله يُنظر إلى المواطنين بوصفهم مطالبين بإظهار فروض الولاء والطاعة للأمير، بدل أن يكون هو في خدمة المواطنين، في ظل هذا التصور البديل، تُفهم السلطة باعتبارها مصدرًا للامتياز والنفوذ، وتنقلب العلاقة بين السلطة والمجتمع، فتتراجع قيم المساءلة والشفافية والخدمة العامة لصالح ثقافة التبعية والطاعة ونهب الموارد والإفلات من المساءلة.
إن الفارق بين النموذجين جوهري؛ فالأول يؤسس لدولة المؤسسات والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، حيث يخضع الجميع للمساءلة ويكون المنصب العام تكليفًا لا تشريفًا. أما الثاني فيؤسس لهيمنة الأشخاص على حساب المؤسسات، ويجعل الولاء للأفراد والمجموعات الضيقة مقدمًا على الالتزام بالقانون والمصلحة العامة، وهو ما يفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف وفشل وربما انهيار الدولة.
ولعل ما يدعو إلى الأسف أن الخطاب الداعي إلى الالتزام بهذه المبادئ الحاكمة في الشأن العام بات يُنظر إليه، وعلى نحو متزايد، في ظل تطاول الدكتاتورية وتحالف مافيات الفساد ونهب وتبديد الموارد، باعتباره نوعًا من السذاجة أو قلة الحيلة، بدل أن يُنظر إليه باعتباره شرطًا ضرورياً لأي ممارسة سياسية رشيدة أو بناء مؤسسي سليم. ويكفي ذلك كمؤشر لقياس مدى عمق الهوة السحيقة التي سقطت فيها الممارسة السياسية في السودان.
إن المطالبة بالالتزام بهذه المبادئ لم تكن يومًا بدافع نزعة يوتوبية أو تطهرية، ولا بحثًا عن صورة مثالية منفصلة عن الواقع، بل تنطلق من قناعة راسخة بأنها تمثل القواعد الأساسية التي تحكم الممارسة السياسية الرشيدة. فهذه المبادئ ليست ترفًا أخلاقيًا، وإنما شروط ضرورية لسلامة العمل السياسي الحزبي وكذلك الأداء الحكومي واستقامة مؤسساته، ولقطع الطريق على مسار تفكك وانهيار الدولة، وعندما تُستبدل هذه المبادئ بمنطق المصالح الشخصية والولاءات الضيقة، فإن الممارسة السياسية تفقد معناها العام، وتتحول تدريجيًا إلى مجرد غطاء للفساد ونهب الموارد والإفلات من المساءلة. ومن ثم، فإن الدفاع عن هذه المبادئ ليس موقفًا مثاليًا منفصلًا عن الواقع، بل هو دفاع عن الحد الأدنى من الشروط التي تعيد السياسة إلى خدمة المجتمع وحمايته بدل أن تتحول إلى أداة لهدم الدولة ونهب الموارد، وذلك في ظل تحديات وجودية تواجه السودان.
والرهان على الالتزام بهذه المبادئ ليس مجرد رهان على استنهاض الإرادة السياسية للقوى الاجتماعية والمدنية التي تسعى جديا لوقف الحرب ومنع انهيار البلاد فحسب، بل هو في جوهره رهان على غريزة البقاء في ظل التحديات الوجودية التي تواجه السودان والسودانيين.
ففي الظروف العادية قد يُنظر إلى احترام الحد الأدنى من حقوق المواطنة وسيادة القانون والمساءلة ومحاربة الفساد باعتبارها شروطًا للحكم الرشيد والتنمية المستدامة، أما في لحظات الأزمات العميقة التي تهدد كيان الدول والمجتمعات، فإنها تصبح شروطًا لبقاء الدولة ذاتها وقدرتها على الاستمرار. ذلك أن المجتمعات لا تواجه التحديات الوجودية بالوعظ والأماني الخيالية، وإنما بالقدرة على تطوير مشروع ذي مصداقية لوقف التدهور وإصلاح النظم والمؤسسات، وتطوير إدارة عامة تُقدِّم المصلحة الوطنية العلياء على مصالح الأفراد والمجموعات الضيقة وخدمة المحاور الأجنبية.
كاردف – 07 يونيو 2026





