
موائمة الأطر والسياسات الإقليمية والدولية (2-2)
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
نواصل في هذا المقال استكمال ما بدأناه حول الأطر والسياسات التي يتبناها البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في مجال الاستثمار الزراعي، حيث نعقد مقارنة بين هذه السياسات في آسيا وأمريكا الجنوبية، مع التركيز بشكل خاص على قارة أفريقيا.
النموذج الآسيوي: فلسفة “الدولة التنموية” وتحصين صغار المزارعين
تبنّت دول آسيا نموذج “الدولة التنموية” الذي يقود التحول الزراعي بجعل صغار المزارعين ركيزة للاستقرار السياسي والاقتصادي، إذ لا تُعدّ الحيازات الصغيرة هنا عائقاً أمام التنمية، بل قاعدة صلبة للاستقرار المجتمعي؛ لذا أدركت دول كالهند وفيتنام وبنغلاديش أن الفلاح الصغير هو صمام أمان ضد الاضطرابات.
فعلى سبيل المثال، اعتمد النموذج الهندي على “الاستثمار في سبل العيش”، حيث وفرت الدولة “أسعار ضمان” (MSP) ودعمت المدخلات لمنع الفقر والجوع في الريف. أما فيتنام، فقد فككت الزراعة الجماعية ومكّنت صغار المنتجين، مما حولها من دولة تعاني من عجز غذائي إلى قوة تصديرية عالمية.
يعتمد هذا التوجه على رفع إنتاجية الملايين بدلاً من استبدالهم بالآلات الضخمة؛ فهذا “النمو المدمج” يمتص التوترات الاجتماعية ويحقق سيادة وطنية حقيقية، حيث تُعتبر الزراعة أولوية للأمن القومي لارتباطها الوثيق بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. ولتحقيق ذلك، تلعب الحكومات دوراً مركزياً في التخطيط والتوجيه والحماية. يمثل هذا النموذج الآسيوي “عقداً اجتماعياً” يمنع الهجرة القسرية ويحوّل الزراعة إلى أداة لتقليص الفقر، وهو النموذج الأمثل للدول ذات الكثافة السكانية الريفية العالية أو الخارجة من نزاعات.
النموذج اللاتيني: فخ “النمو السريع” والثمن الاجتماعي الباهظ
في المقابل، صاغت دول أمريكا الجنوبية (مثل الأرجنتين وتشيلي) نموذجاً يرى الزراعة كمحرك للنمو الاقتصادي عبر التركيز على المحاصيل النقدية والعملة الصعبة. اعتمد هذا النموذج على “الميكنة الكثيفة” و”الابتكار الحيوي” (Biotech) وقوانين مرنة لحيازة الأراضي مكنت الشركات الكبرى من الهيمنة. ورغم تحقيق هذه الدول دخلاً قومياً مرتفعاً من تصدير الصويا واللحوم، كان الثمن الهيكلي باهظاً، حيث اتسعت الفجوات الريفية وتفاقمت النزاعات على الأراضي. وبدلاً من إصلاح هيكل الزراعة، لجأت هذه الدول إلى معالجة الأعراض بـ”برامج تحويلات نقدية” مسكّنة للألم الاجتماعي الناتج عن تهميش صغار المزارعين..
خارطة الطريق الأفريقية: من مابوتو إلى كامبالا
على مدى ثلاثة عقود، انتقلت أفريقيا من إعلان النوايا إلى تبني أهداف رقمية صارمة؛ بدءاً من “إعلان مابوتو” (2003) الذي شكّل محطة لمعالجة الاختلالات الهيكلية عبر “الأركان الأربعة” (إدارة الأرض والمياه، والبنية التحتية، والإمدادات الغذائية، والبحث العلمي) ضمن البرنامج الشامل لتنمية الزراعة في أفريقيا (CAADP)، مروراً بـ “إعلان مالابو” (2014) الذي مثّل تحولاً استراتيجياً في الفكر الزراعي باعتماده أهدافاً تنموية مثل محاربة الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي، وتنمية المناطق الريفية، وتوفير فرص عمل للشباب، ووصولاً إلى “إعلان كمبالا” (2026) لتسريع تحول النظم الغذائية الزراعية المستدامة في أفريقيا، تحت شعار “بناء نظم غذائية زراعية مرنة ومستدامة”، والذي يربط العملية برمتها من “المزرعة إلى المائدة” لتشمل الإنتاج، والتصنيع، والنقل، وسلاسل التوزيع، والاستهلاك، والتغذية، والصمود البيئي.
محرك تنفيذ التوجهات الأفريقية: خطط الاستثمار الزراعي الوطنية (NAIPs)
لمواجهة تشتت الموارد في مشاريع صغيرة غير مترابطة، تم ابتكار “خطط الاستثمار الزراعي الوطنية” (NAIPs) كأداة لتحويل الرؤية القارية إلى واقع ملموس داخل كل دولة، بما يحقق أهداف التحول الزراعي كما وردت في “إعلان مالابو”. وتركز هذه الخطط على الميزانية الوطنية بوصفها قاعدة سيادية للتمويل، وتخضع عمليات تصميمها وتنفيذها للمساءلة أمام البرلمان والشعب لضمان استدامة المشاريع المرتبطة بأطر الإنفاق الوطني. وتعمل هذه الخطط “كمنصات تفاوضية” لا تكتفي بطلب المساعدة، بل تطرح “حزماً استثمارية” واضحة العوائد والمخاطر لجذب الاستثمارات، حيث يشكل الاستثمار الحكومي المحفز والضامن، وتعمل الجهات الدولية الممولة تحت مظلة الخطة الوطنية؛ مما يعالج إشكالية التمويل الأجنبي الذي ينتهي بانتهاء دور المنظمات المانحة.
تجربة رواندا في تطبيق التوجهات الإفريقية: الزراعة كأداة للمصالحة وبناء السلام
تُعد رواندا النموذج الأمثل للتطبيق العملي للتوجهات الإفريقية التي جعلت من الزراعة أداة للمصالحة الوطنية في أعقاب الإبادة الجماعية. فإذا كان النموذج اللاتيني قد كشف عن فجوات طبقية، فقد قدمت رواندا “الزراعة” كبلسم لترميم جروح أعمق، حيث لم تكن الخطة الزراعية مجرد برنامج اقتصادي، بل استراتيجية متكاملة لصناعة السلام.
اعتمدت رواندا على “التعاونيات الزراعية” لدمج المقاتلين السابقين مع الناجين في مزارع مشتركة، مما أجبر أطرافاً كانت متصارعة على العمل معاً، لتتفوق المصلحة الاقتصادية على الانقسامات الأيديولوجية. وبذلك، تحول العمل الجماعي من مجرد أداة للإنتاج إلى وسيلة لترميم الثقة المجتمعية؛ فأثبتت التجربة أن البذور التي تزرعها أيدٍ كانت متناحرة هي التي تُثمر سلاماً مستداماً.
على صعيد آخر، رفضت رواندا إملاءات المانحين الخارجية، وألزمت مؤسسات دولية كبرى، مثل البنك الدولي، بالعمل تحت مظلة خطتها الوطنية (PSTA). وقد أثمر هذا التوجه نتائج مذهلة؛ إذ تضاعفت إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية ثلاث مرات، مما أمن الاحتياجات الأساسية وحمى الدولة من تقلبات الأسعار العالمية.
تظل هذه التجربة منارة تسترشد بها الدول التي تعيش مخاض الانتقال من النزاع إلى الاستقرار، وعلى رأسها السودان؛ الذي يمتلك إمكانات زراعية واعدة وتحديات اجتماعية تستلزم تبني حلول زراعية شاملة ومبتكرة..
ما الذي يمكننا الاستفادة منه من تجارب الدول مع الأطر والسياسات الدولية والإقليمية؟
لا يمكن استيراد النماذج التنموية دون تكييفها مع الواقع المحلي؛ فنموذج “القفز المباشر للتصدير” قد يولد نمواً إحصائياً، لكنه غالباً ما يزرع بذور الاضطراب الاجتماعي في الدول ذات الهشاشة المؤسسية، كما رأينا في تجارب دول أمريكا الجنوبية. وعلى العكس من ذلك، يركز النموذج الآسيوي على صغار المنتجين بوصفهم قاعدة للاستقرار السياسي؛ إذ يعد رفع إنتاجيتهم أسرع طريق لخفض معدلات الفقر. ففي تلك الدول، لم تكتفِ الحكومة بتوفير الخدمات، بل حمت صغار المزارعين من تقلبات السوق العالمية حتى اشتد عودهم، وعملت على تحقيق الأمن الغذائي المحلي قبل التوجه نحو التصدير على نطاق واسع، وذلك لضمان التماسك المجتمعي.
لذا، يجب أن تكون الخطة الوطنية للاستثمار الزراعي أداة عملية تضع أهدافاً واضحة ترتبط بتحقيق التنمية الشاملة التي ترسخ السلام الدائم في السودان، مع عرض فجوات التمويل كحزم استثمارية جاذبة، وضمان “الملكية الوطنية” للقرار الاقتصادي بدلاً من الانصياع لـ “الوصفات الجاهزة” مثل برامج “التكيف الهيكلي” للبنك الدولي، التي تفرض رفع الدعم عن المدخلات لصالح التصدير. وفي هذا السياق، يمكن الاقتداء بتجربتي فيتنام ورواندا في “فرض رؤية الدولة” على المانحين؛ لتوجيه التمويل نحو التنمية الريفية والأمن الغذائي.
إن الانتقال من قياس النجاح عبر حجم الصادرات فقط إلى اعتماد مؤشرات “نوعية الحياة” والدخل الريفي، يضمن تحول الزراعة من عبء تمويلي إلى محرك للاستقرار الاجتماعي وصمام أمان ضد الصدمات.
في المقال القادم، سنستعرض تاريخ الاستثمارات الزراعية في السودان، مع تحليل استراتيجياتها وأثرها على الواقع الحالي.
Saniali2010@gmail.com





