
تتجه الحكومة البريطانية إلى إحداث تحول واسع في سياسة الهجرة واللجوء عبر مشروع قانون جديد يجمع بين فتح قنوات قانونية لاستقبال اللاجئين وتشديد الضوابط على طلبات الحماية، في خطوة تعكس توجهًا لإعادة صياغة منظومة الهجرة وسط جدل سياسي متصاعد داخل حزب العمال واعتراضات من منظمات حقوقية وخيرية.
ويمنح مشروع القانون، الذي أعدته وزارة الداخلية البريطانية، الأولوية لإنشاء مسارات آمنة ومنظمة لاستقبال اللاجئين، مقابل فرض قيود أشد على الطلبات المقدمة استنادًا إلى قوانين حقوق الإنسان وتشريعات العبودية الحديثة، والتي ترى الوزارة أنها أصبحت عرضة للاستغلال بشكل متكرر.
وتقود وزيرة الداخلية شبانة محمود هذه الإصلاحات منذ توليها المنصب عام 2024، بعدما ورثت نظامًا وصفته بأنه غير قادر على أداء مهامه، في ظل تراكم غير مسبوق لطلبات اللجوء التي تجاوزت 175 ألف طلب في منتصف عام 2023، قبل أن تنخفض إلى نحو 10 آلاف طلب بحلول مارس 2025 عقب إنهاء الملفات المتراكمة التي تعود إلى فترة حكم المحافظين.
وتسعى محمود إلى كسب تأييد الجناح التقدمي داخل حزب العمال من خلال التأكيد أن الخطة الجديدة ستسمح باستقبال آلاف المهاجرين عبر قنوات قانونية ومنظمة، مع الحد في الوقت نفسه من الطلبات المقدمة تحت مظلة حقوق الإنسان أو قوانين العبودية الحديثة. إلا أن هذه التوجهات فجرت خلافات داخل الحزب، حيث يواجه آندي بيرنهام، المرشح الأوفر حظًا لتولي رئاسة الحكومة الشهر المقبل، ضغوطًا متزايدة للإعلان بوضوح عن موقفه من سياسات وزيرة الداخلية، في وقت تعتبر فيه شخصيات برلمانية ومنظمات خيرية أن القيود المقترحة شديدة القسوة.
وازدادت حدة الانتقادات بعدما دعا اللورد ألف دابز إلى إعادة النظر في استمرار محمود على رأس وزارة الداخلية، معتبرًا أن سياساتها تمثل “قسوة استعراضية”، وقال إن الحزب يقف أمام فرصة لإعادة تقييم نهجه والتخلي عن الخطاب العدائي تجاه اللاجئين.
وفي محاولة لاحتواء الاعتراضات، بدأت وزيرة الداخلية بإبداء مرونة تجاه بعض البنود المثيرة للجدل، من بينها مراجعة مقترح رفع مدة الانتظار للحصول على الإقامة الدائمة من خمسة أعوام إلى عشرة أعوام، إلى جانب تأييد استثناء العاملين في قطاع الرعاية من بعض القيود، كما دخلت في خلاف علني مع رئيس الوزراء كير ستارمر بشأن وزير الهجرة مايك تاب، الذي وُجهت إليه اتهامات بتسريب خطط الحكومة المتعلقة بالهجرة.
ورغم استمرار الجدل، تؤكد مصادر مقربة من آندي بيرنهام أن شبانة محمود مرشحة للاستمرار في منصبها، مع وجود دعم عام للإطار الأساسي للإصلاحات، رغم تحفظ بيرنهام على تطبيق بعض الإجراءات الجديدة بحق المهاجرين المقيمين بالفعل في المملكة المتحدة. وذكرت صحيفة “الغارديان” أن مشروع القانون سيُطرح أمام البرلمان الثلاثاء المقبل، رغم أن بيرنهام لن يتولى رسميًا رئاسة الحكومة قبل 20 يوليو.
ويتضمن المشروع ثلاثة مسارات جديدة للهجرة النظامية يبدأ تطبيقها خلال الخريف المقبل، وتشمل برنامج الكفالة المجتمعية الذي يتيح للمجموعات المحلية اختيار اللاجئين الذين ترغب في دعمهم، مستلهمًا التجربة الكندية التي استقبلت نحو 400 ألف لاجئ منذ عام 1979، إضافة إلى مسار مخصص لاستقبال الطلاب الجامعيين عبر آلية منظمة للجوء، ومسار ثالث يسمح لأصحاب العمل بكفالة اللاجئين المؤهلين بشكل مباشر.
ورغم إعلان وزيرة الداخلية أن هذه المسارات ستوفر فرصة لاستقبال “مئات” اللاجئين سنويًا، فإن تقديرات تقارير متخصصة تشير إلى أن العدد قد يرتفع إلى عدة آلاف مع بدء استقبال الطلبات مطلع العام المقبل.
وفي المقابل، يتضمن مشروع القانون حزمة واسعة من القيود على نظام الحماية واللجوء، إذ يقضي بحرمان أي أجنبي صدر بحقه حكم بالسجن من الحماية المنصوص عليها في قوانين العبودية الحديثة، بغض النظر عن مدة العقوبة، مع إلغاء شرط الحد الأدنى البالغ 12 شهرًا. كما يسمح برفض طلبات الحماية المتأخرة إذا توافرت شبهات بالتزوير أو كان بالإمكان تقديمها في وقت سابق، إلى جانب تضييق نطاق الطعون ضد قرارات الترحيل القائمة على الحق في الحياة الأسرية لتقتصر على الزوجين والوالدين والأبناء دون سن الثامنة عشرة، باستثناء الحالات الاستثنائية.
ويكرس المشروع مبدأ قانونيًا يعتبر أن ترحيل الأجانب المدانين جنائيًا يمثل مصلحة عامة لا يجوز تعطيلها إلا في ظروف نادرة، كما يشترط تقديم طلبات لم الشمل الأسري من داخل المملكة المتحدة، مع إلزام السلطات بتعيين ولي أمر مستقل لكل طفل وقع ضحية للاتجار بالبشر أو الاستغلال.
ومن أبرز التحولات التي تتضمنها الخطة إعادة تعريف الحصول على الإقامة الدائمة باعتباره “استحقاقًا مكتسبًا” بدلًا من اعتباره حقًا تلقائيًا، مع رفع مدة الانتظار إلى عشرة أعوام، وربط منحها بأربعة معايير رئيسية تشمل حسن السيرة، والمساهمة الاقتصادية، والاندماج المجتمعي، والإقامة المستمرة. كما سيتعين على المهاجرين إثبات استمرارهم في العمل، والالتزام بدفع الضرائب، والمشاركة في الأنشطة التطوعية، وتحقيق مستوى B2 في اللغة الإنجليزية بدلًا من المستوى B1 المعمول به حاليًا.
وأثارت هذه الإصلاحات موجة اعتراضات غير مسبوقة داخل حزب العمال، حيث وصفها عدد من النواب بأنها تعمق الانقسام داخل المجتمع وتتعارض مع المبادئ التي تأسس عليها الحزب، فيما اعتبر آخرون أنها تنتزع حقوقًا من أشخاص مروا بظروف إنسانية قاسية. وهدد نحو خمسين نائبًا بالتمرد على مشروع القانون، في خطوة كانت ستشكل أكبر تحدٍ لحكومة كير ستارمر، وقد تمتد تداعياتها إلى الحكومة المقبلة.
كما برزت نائبة رئيس الوزراء أنجيلا راينر بين أبرز المعترضين على الخطة، مؤكدة أن تغيير قواعد الحصول على الإقامة أثناء وجود المهاجرين داخل البلاد يقوض مبدأ العدالة، بينما حذر نواب آخرون من انعكاسات الإصلاحات على قدرة بريطانيا في استقطاب الكفاءات واستمرار قطاع الرعاية الاجتماعية.
ورغم تراجع صافي الهجرة من 944 ألفًا في مارس 2023 إلى 240 ألفًا في سبتمبر 2025، يرى منتقدو المشروع أن هذا الانخفاض تحقق قبل دخول الإصلاحات الجديدة حيز التنفيذ، ويعزون السبب الرئيسي إلى تقليص تأشيرات العاملين في قطاع الرعاية الصحية، وليس إلى السياسات التي تتبناها الحكومة الحالية.





