
سورافيل تسفاي
باحث في مجلة هورن ريفيو
في 17 يونيو/حزيران 2026، شنت طائرات مسيرة مصرية ومدفعية غارات على مخيمات تعدين الذهب التقليدية في المنطقة الحدودية الشرقية قرب مثلث حلايب، على طول الحدود المشتركة بين البلدين. لم تكن الأهداف مواقع عسكرية، ولم يكن الضحايا من مقاتلي قوات الدعم السريع، بل كانوا عمال مناجم مدنيين من قبيلتي البشارين والعبابدة، يعملون بشكل مستقل في حقول الذهب في ولايتي النيل والبحر الأحمر. رداً على ذلك، اختارت القوات المسلحة السودانية، الحليف الأهم لمصر في الحرب ضد قوات الدعم السريع، عدم إدانة الهجوم. لم يصدر أي بيان رسمي، ولا احتجاج دبلوماسي، ولا استنكار شعبي. بل التزمت القوات المسلحة السودانية الصمت الاستراتيجي ونشرت قواتها في المنطقة الحدودية. يكشف هذا التسلسل من الأحداث عن ديناميكية محسوبة للبقاء والسيادة والتبعية الاستراتيجية بين حليفين وجارين حذرين.
لفهم قرار القوات المسلحة السودانية التزام الصمت ونشر القوات بدلاً من مواجهة مصر، يجب أولاً النظر في الأهداف الاستراتيجية للقاهرة وتوقيت الهجوم. كانت الغارات الجوية خطوات محسوبة تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية المصرية في المنطقة الحدودية. تشير التقارير إلى أن مصر تعتمد بشكل كبير على تهريب الذهب غير المشروع عبر حدودها الرخوة مع السودان. وتشير أبحاث تشاتام هاوس إلى أن ما يصل إلى ستين بالمائة من إنتاج الذهب السوداني غير الرسمي يتدفق إلى الاقتصاد المصري، مما يساعد القاهرة على توليد العملة الصعبة مع الحفاظ على استقرار أوضاعها المالية الداخلية.
في البداية، مثّلت الحرب الأهلية في السودان فرصةً لمصر، إذ سمحت الفوضى بتدفق المزيد من الذهب عبر الحدود، مما عزز احتياطيات مصر ووفر لها شريان حياة اقتصاديًا كانت بأمس الحاجة إليه. إلا أنه مع استمرار الحرب، ازداد الوضع صعوبةً على القاهرة. فقد توسعت مخيمات التعدين غير المنظمة بشكل خطير بالقرب من الحدود المصرية، مما أدى إلى تعطيل إمدادات الذهب المصرية وتقليص المكاسب الاقتصادية التي كانت تتمتع بها. وأصبحت هذه المخيمات مراكز لتهريب الأسلحة والوقود، كما تحولت إلى ساحات اشتباكات عنيفة مع حرس الحدود المصري. وكما ذكرت صحيفة سودان تريبيون سابقًا ، قبل الغارة الجوية، أفاد عمال المناجم بأن حرس الحدود المصري أحرقوا معدات التعدين، وأضرموا النار في الملاجئ المؤقتة، وأطلقوا الذخيرة الحية لإجبار العمال على الابتعاد عن المناطق القريبة من منجمي الأنصاري والعقيدات .
هذا يفسر سبب تصميم الضربات المصرية لتعطيل سلاسل التوريد القبلية المستقلة التي كانت تقوض الأسعار التي تحددها الدولة وتتحدى الرقابة المصرية على الحدود. من خلال القضاء على الأسواق الخارجة عن القانون، أجبرت مصر تجارة الذهب على العودة إلى القنوات الرسمية، محولةً السوق السوداء الفوضوية إلى معاملة حكومية منظمة. لم يكن الأمر يتعلق بأمن الحدود فحسب، بل كان حربًا اقتصادية بوسائل أخرى، تهدف إلى إجبار تدفق الذهب على أن يصبح تحت سيطرة الدولة.
تكشف هذه الديناميكية عن مفارقة جوهرية في الحادثة برمتها. لماذا تقصف مصر منطقةً تُموّل اقتصادها بالذهب؟ الجواب هو أن ضربات مصر لم تكن تهدف قط إلى وقف تدفق الذهب نفسه، بل إلى سحق الشبكات المستقلة التي تعمل خارج نطاق رقابة الدولة. ولأن هؤلاء المنقبين المستقلين كانوا يُخفّضون الأسعار التي تُمليها الدولة ويُؤجّجون عدم الاستقرار على الحدود، استخدمت القاهرة القوة العسكرية لتفكيك عملياتهم بالكامل. ومن خلال تعطيل هذه الأسواق الخارجة عن القانون، نجحت مصر في إعادة توجيه تجارة الذهب إلى القنوات الرسمية للدولة حيث تستطيع السلطات بسهولة فرض شروطها. وتُدرك قيادة القوات المسلحة السودانية هذا المنطق الاقتصادي تمامًا، ولهذا السبب تحديدًا اختارت التزام الصمت.
وبالتالي، فإن إدانة مصر علنًا كانت ستؤدي إلى انهيار التحالف العسكري الذي تعتمد عليه القوات المسلحة السودانية للبقاء في حربها ضد قوات الدعم السريع، مما يجعل الصمت الخيار الوحيد المتاح. إلا أن اعتماد القاهرة على القوات المسلحة السعودية يُشكل أيضًا عاملًا مُقيِّدًا، لأن الحكومة المصرية تنظر إلى قوات الدعم السريع على أنها تهديد وجودي على حدودها الجنوبية. فلو استمرت مصر في قصف الحدود الشرقية، لزعزعت استقرار دول البحر الأحمر ونهر النيل، التي تُعد آخر معاقل القوات المسلحة السودانية الآمنة. ولو انزلقت هذه المناطق إلى حرب قبلية، لفقدت القوات المسلحة السودانية سيطرتها على المنطقة بأكملها، مما كان سيُضعف موقفها بشدة في الحرب الأهلية الأوسع. ببساطة، لا تستطيع مصر تحمل تدمير قاعدة حليفها، وهو ما يُفسر توقف الضربات في غضون أيام. في نهاية المطاف، اضطرت القاهرة إلى وقف حملتها العسكرية لأن حماية مؤخرة القوات المسلحة السودانية تُعد مصلحة استراتيجية أهم بكثير من السيطرة على منجم ذهب واحد.
يتجلى هذا الواقع في حقيقة أن مصر لا تنتج سوى كمية متواضعة من الذهب محلياً. ونتيجة لذلك، ارتفعت احتياطياتها من الذهب بشكل كبير بعد اندلاع الحرب الأهلية في السودان، إذ دخلت كميات أكبر بكثير من الذهب إلى مصر عبر قنوات غير مشروعة. وقد تعزز هذا التدفق عندما ألغت الحكومة المصرية الرسوم الجمركية على استيراد الذهب. حتى مسؤولو القوات المسلحة السودانية يدركون تماماً هذا الترتيب، ويعترفون بأن اعتماد مصر الاقتصادي على الذهب السوداني قد خلق علاقة معقدة ومتبادلة المنفعة لا يمكن لأي من الطرفين تحمل خرابها. وفي نهاية المطاف، شكل هذا الاعتماد الاقتصادي المتبادل الطريقة التي يتعامل بها البلدان مع أمن الحدود والتعاون العسكري.
يبقى السؤال الرئيسي: لماذا نشرت القوات المسلحة السودانية قواتها على الحدود؟ يخدم هذا الانتشار أغراضًا متعددة، جميعها متجذرة في بقاء الدولة لا في المواجهة. أولًا، هناك مسألة بالغة الأهمية تتعلق بالشرعية الداخلية. ولأن القوات المسلحة السودانية تدّعي أنها الحكومة الشرعية الوحيدة في السودان، فلا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي عندما يشن جيش أجنبي هجومًا داخل حدودها ويقتل مدنيين سودانيين. يُعدّ نقل القوات إلى المنطقة مسرحًا للدفاع الوطني، وخطوة محسوبة تهدف إلى طمأنة الشعب السوداني بأن الجيش ما زال يدافع عن أرضه ومواطنيه. يحتاج الشعب إلى رؤية رد فعل، حتى لو كان هذا الرد مدروسًا بعناية لتجنب مواجهة فعلية مع مصر.
ثانيًا، يهدف الانتشار إلى تهدئة شبكات القبائل الحدودية القوية، لا سيما وأن هذه المناطق التعدينية مُسلحة تسليحًا كثيفًا وتُدار بالكامل من قِبل القبائل المحلية. في أعقاب الضربات، تصاعد الغضب ضد مصر بين قبيلتي البشارين والعبابدة، مما دفع القوات المسلحة السودانية إلى نشر جنود للعمل كحاجز. يحتاج الجيش إلى منع القبائل الغاضبة من شن هجمات انتقامية عبر الحدود ضد حرس الحدود المصري. إذا قتلت ميليشيا قبلية سودانية جنودًا مصريين، فقد تجد القاهرة نفسها مضطرة لشن رد فعل واسع النطاق، مما يُؤدي إلى تصعيد الموقف إلى أزمة دبلوماسية وعسكرية كارثية لا تستطيع القوات المسلحة السودانية تحملها. ونتيجة لذلك، تقف القوات بين القبائل الغاضبة والحدود المصرية، مانعةً دوامة الانتقام المحلية من التحول إلى حرب دولية شاملة.
ثالثًا، يهدف الانتشار العسكري بالدرجة الأولى إلى السيطرة على الذهب. وكما ذُكر سابقًا، يُهرّب ما يصل إلى ستين بالمئة من ذهب السودان بشكل غير رسمي عبر الحدود إلى مصر. ويستفيد كل من القوات المسلحة السودانية ومصر من هذه التجارة غير المشروعة، حيث يُضخ الذهب في الأسواق المصرية الرسمية وغيرها من الأسواق لتأمين السيولة والأسلحة للقوات المسلحة السودانية. إلا أن الفوضى الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأهلية أدت إلى توسع مخيمات التعدين غير المرخصة بشكل خطير بالقرب من الحدود المصرية، لذا تنشر القوات المسلحة السودانية قوات لإنشاء نقاط تفتيش تنظيمية رسمية. وقبل أيام قليلة من الضربة، أمرت الحكومة السودانية بحملة قمع طارئة على التعدين غير المرخص، وتستخدم القوات المسلحة السودانية هذا الانتشار العسكري لتطبيق تلك القوانين بالقوة، والسيطرة على أسواق الذهب ، وضمان توجيه العائدات مباشرة إلى خزائنها.
يُفاقم هذا التحول العملياتي من خطورة الوضع بالنسبة للقوات المسلحة السودانية، إذ يعتمد الجيش اعتمادًا كبيرًا على عائدات الذهب من هذه الولايات الشرقية لشراء الأسلحة والوقود اللازمين لمواجهة قوات الدعم السريع. علاوة على ذلك، تقع بورتسودان، التي تُعدّ معقلًا استراتيجيًا رئيسيًا للقوات المسلحة السودانية، في قلب أراضي قبيلتي البجا والبشارين، ما يعني أن الجيش لا يستطيع تحمل استعداء هاتين القبيلتين دون المخاطرة بفقدان ملاذه الآمن الأخير. إذا ما انهار الوضع على الحدود الشرقية وتحول إلى فوضى، فإن القوات المسلحة السودانية ستواجه كارثة حقيقية: ستفقد شريان حياتها الاقتصادي، وستُجبر إما على التخلي عن ساحل البحر الأحمر، بوابتها الوحيدة المتبقية إلى العالم الخارجي، أو الدفاع عنه بعنف. من شأن المواجهة المطولة مع القبائل أن تُفضي إلى هذا السيناريو تحديدًا، ولهذا السبب اختارت القوات المسلحة السودانية امتصاص الضربة وإدارة الموقف بوسائل غير مباشرة.
من وجهة نظر استراتيجية، ما كان ينبغي لمصر أن تستهدف هذه العشائر المدنية، لا سيما وأن القاهرة لا تستطيع تحمل تعريض تحالفها مع القوات المسلحة السودانية للخطر. هذا الارتباط الجيوسياسي العميق يفسر صمت القوات المسلحة السودانية التام بعد الغارات الجوية، واختيارها بدلاً من ذلك نشر قواتها لتأمين المنطقة الحدودية نيابةً عن مصر. علاوة على ذلك، فإن مصر ممنوعة من شن المزيد من الغارات الجوية داخل السودان لأن استهداف المدنيين الأبرياء يُعد انتهاكًا للقانون الدولي ويستدعي إدانة دولية شديدة. ولأن القاهرة لا تستطيع المخاطرة بتدخل عسكري مباشر أعمق، فإن حليفتها، القوات المسلحة السودانية، مُلزمة بتحمل المخاطر العملياتية وإدارة الوضع الحدودي للحفاظ على تماسك التحالف الأوسع.
في نهاية المطاف، فإن الرواية الرسمية للحكومة السودانية بشأن نشر هذه القوات ليست سوى لعبة سياسية ومقايضة جيوسياسية بين القيادة المصرية وقيادة القوات المسلحة السودانية. إن الادعاء بأن القوات المسلحة السودانية نشرت جنودًا لمنع نزاع قبلي محلي هو ادعاء غير منطقي على الإطلاق. فبما أن رجال القبائل قُتلوا على يد طرف ثالث أجنبي، وهو مصر، فلا يوجد سبب جوهري يدفع العشائر إلى الاقتتال فيما بينها. بل إن القوات المسلحة السودانية تتدخل في الواقع لحماية منطقة تعدين ذهب مربحة للغاية تُشكل شريان الحياة الاقتصادي الرئيسي للسودان. ويُعد هذا الانتشار خطوة استراتيجية لضمان بقاء حقول الذهب تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية، واستمرار تدفق الإيرادات دون انقطاع، وتأمين المصالح الاقتصادية لمصر دون مزيد من التصعيد العسكري.
بمعنى أوسع، يبدو الوضع وكأنه أزمة في السياسة الخارجية، لكنه في الواقع عبارة عن مقايضة مُدارة بعناية بين حليفين. ولأن جزءًا كبيرًا من إنتاج السودان من الذهب لا يُدرج في الإحصاءات الرسمية ، ولأن الأرقام المنشورة لا تعدو كونها مؤشرًا لما ترغب السلطات في إعلانه، فقد استفادت جهات فاعلة مختلفة منذ فترة طويلة من تداخل المصالح الأمنية والتجارية في السودان. ويشير الصمت الاستراتيجي للقوات المسلحة السودانية، ونشر القوات، وتجنب المواجهة المدروس، إلى تفاهم عميق بين القاهرة والخرطوم. وفي نهاية المطاف، يُدرك كلا الجانبين أن بقاءهما على المدى الطويل يعتمد كليًا على إدارة هذا التوازن الدقيق.
تحتاج مصر إلى الذهب السوداني لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتحتاج القوات المسلحة السودانية إلى الدعم المصري لتجاوز الحرب الأهلية. وعليه، فإن الغارة الجوية والانتشار العسكري اللاحق ليسا مؤشرين على وجود خلاف، بل هما دليلان على اتفاق معقد غير معلن يسمح لكلا الدولتين بالسعي وراء مصالحهما دون الإخلال بالتحالف الذي يجمعهما. على المدى البعيد، لن يُذكر هذا الحادث كأزمة، بل كدليل على البراغماتية المطلقة التي تميز العلاقات السودانية المصرية في عصر الحرب وعدم الاستقرار الاقتصادي.







