
أ. محمد حسن دولي
المعلوم تقريباً للجميع بأن التعليم خُصص كهدف رابع من أهداف التنمية المستدامة بواسطة الأمم المتحدة، لأنه يرتبط بمجموعة من العمليات التي تساهم بصورة مباشرة في معظم أبعاد التنمية المستدامة، كالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والسلام والاستقرار.
من هذا المدخل، ولطالما كان حديثنا السابق عن لغة المستقبل في أفريقيا، نذهب اليوم نحو الإشارة للمرة الثانية إلى التقنية والتطور المذهل الذي وصلت إليه الإنسانية، بحكم أنها الأكثر تأثيراً ووجودًا في الفضاء البشري، مما جعل الفضاء الافتراضي أكثر حضورًا من الفضاء الطبيعي اليومي، وصولًا إلى ابتكار الذكاء الاصطناعي وإطلاقه للاستخدامات المختلفة، تحت قيود وشروط يسيرة جدًا لا تتعدى اقتناء جهاز لوحي أو كمبيوتر مزودين بالإنترنت، واشتراك شهري رمزي لا يتعدى الخمسة دولارات، وهناك خدمات مفتوحة للوصول المجاني متاحة في شكل أدوات للذكاء الاصطناعي المفتوح.
وما يهمنا هنا هو كيفية استخدام هذه الوسائل الحديثة لتوسيع نطاق التعليم في أفريقيا، بالوصول إلى أكبر قدر من الأشخاص المحرومين من التعليم، أو في الحقيقة معظم الأطفال الذين هم في سن التعليم، أو الذين حرمتهم الكوارث من الوصول إلى التعليم، وحتى الكبار الذين لم ينالوا حظهم من التعليم المتقدم أو المستوى العادي منه؟.
إذ إن هذه الأدوات الحديثة لها أبعاد خدمية وإنسانية أخرى، بحيث يمكن أن تساهم في تطوير الزراعة، وسبل تلقي العلاج والتشخيص، بحيث يسهم ذلك في خفض المرض، وتباعاً الفقر والجوع، وتقليل الهجرات واللجوء والنزوح، وتستطيع أن تعمل على الاستقرار الاقتصادي والتنموي.
لم تعد الآن معضلة الوصول إلى معلم بقدرات ممتازة في الأرياف البعيدة تمثل إحدى تحديات التعليم العويصة، ولم يعد الوصول إلى المعلومات المحترفة والموثوقة نوعاً من أنواع الصعاب، طالما خرجت من الاحتكار البشري الذي قام بتسليعها إلى فضاءات الحرية وحرية الوصول، بحيث أصبح اقتناء الآلة هو المدخل إلى المعلومة المجانية، عطفاً على تحررها من قبضة البشر، تحررت أيضاً من قيودها السابقة المتمثلة في الوقت والمكان والزمان والنوع.
إن هذا التطور البشري المذهل، الذي أنتج سلسلة من الأدوات، نهايةً بالذكاء الاصطناعي، التي تمتاز بقدرات تتجاوز القدرة البشرية في المستقبل القريب، قد قفز بنا بين يوم وليلة من العتمة إلى النور بفضل هذا المعنى الآخر للحرية، أصبحنا نستشرف بعدها المادي والمعنوي جنباً إلى جنب، وندرك أن حرية التفكير هي بوابة الحريات إلى اللانهائية، وأن فك القيود عن الأفكار وتجاوز المعوقات التي حارب من أجلها منظرو ومفكرو الحرية لسنين طويلة، هو في حد ذاته غاية لا تقدر بثمن؛ لأنه يمنح الإنسان مفتاح الوصول.
صنع الإنسان المعتقدات والموروثات والعادات وغيرها لحاجته إليها آنذاك، دون أن يدري بأنها قد تشل قدرته يومًا على الوصول إلى الحرية اللانهائية، التي أصبح الجميع يجني ثمارها يومًا بعد يوم، مع تلاشي المعوقات شيئًا،فشيئًا.
تعرضت حرية التنقل في أفريقيا للتشوهات بفعل الظروف القاهرة التي مرت بها القارة، والأحداث المؤلمة التي عاشتها شعوبها، بداية من الهجرات وانتهاءً بالاستعمار وما صاحبه من تأثيرات عقائدية واعتقادية ولغوية. وقد أسهمت هذه العوامل في تعميق العزلة بين شعوب القارة، حتى أصبح الإنسان الأفريقي، في كثير من الأحيان، بعيدًا عن الجزء الآخر منه.
علينا العمل على تحرير التنقل بين دول القارة، بقدر يوازي تحرير العقل في الوصول إلى المعلومة، حتى يلتقي الإنسان الأفريقي بأخيه الأفريقي، ويتعرف إلى الجزء الآخر منه، ويستعيد شعوره بالانتماء إلى فضائه الأوسع، ومن هنا تأتي الحاجة إلى إلغاء الحدود التي تعمّق هذا الاغتراب، وهو الدور النضالي الذي ينبغي أن يضطلع به هذا الجيل، بالضغط على القيادات السياسية والاجتماعية لإتاحة حرية التنقل بين شعوب القارة.
بفضل لغة المستقبل، سوف تتجاوز أفريقيا عقبة التعليم، وسوف تكون من المساهمين في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، وبإتاحة حرية الوصول إلى التعليم، والعمل على تحقيق ما تبقى من أهداف التنمية المستدامة واحدة تلو الأخرى، والنظر إلى احتياجات الأجيال القادمة بعيون فاحصة، نستطيع الوصول إلى التغيير الكبير.
ولم يأتِ هذا التغيير الكبير من فراغ، فهناك عامل آخر أساسي، إضافة إلى العوامل أعلاه، وهو إتاحة الفرصة للحريات لكي تنمو في أفريقيا جنباً إلى جنب مع الأفكار بصورة يومية، وأن تكون الحرية حاضرة أينما وجد الإنسان، وأن تُتاح للأجيال فرصة اختيارها، وأن يُنتزع من نفوسهم إحساس الخوف بصورة نهائية، وأن نجعل من الحرية حالة نمو طبيعي، وأن نربط العالم بأفريقيا الجديدة، ونكسر كل قيود العزلة، بدايةً من فتح الحدود بين الدول الأفريقية.
إن فتح الحدود بين الدول الأفريقية ليس عملية إدارية وسياسية فقط، وإنما هو بوابة الانطلاق إلى فتح العقول الأفريقية الخلاقة، لتتشبع بالأمكنة، وتنظر حول إمكانياتها الطبيعية، وتقيّم ما تتوفر عليه من فرص، طالما أن العقل الأفريقي أنتج الخرافة والثقافات المختلفة بكل أدواتها، فإنه يستطيع إنتاج نقيضها.
إن الإحساس بحرية التنقل يبعث في نفس الإنسان أسمى الغايات الآدمية، ويصنع العقل المتجاوز للحدود، ويخاطب العقبات بخطاب العقل، ويرضخ للتسامح والتعايش، ويعمل على تجاوز التعصب والحروب والفقر والأمية، ويذهب به إلى رحابة الأمكنة والسلام النفسي.
التنقل يقطع الطريق أمام دعاة القتل والحروب، ويفتح آفاق الأجيال البشرية نحو الانطلاق وقراءة الفرص والتحديات بصورة فاحصة وقادرة على التعاطي الإيجابي معها.
هذا الجيل الذي وُضعت أمامه جميع أنواع المعوقات، وحُرم من حقوقه الأساسية والديمقراطية، أصبح جيلاً منغلقًا على ذاته، وبدوره انكفأ على نفسه، وأصبح لا يرى من النور إلا الذي يدله إلى الهجرة إلى خارج أفريقيا، دون أن يفكر في التحرك نحو نصفه الآخر داخل أفريقيا، ومعرفة ما تحتويه أرضه من فرص كبيرة.
إن العمل من أجل فتح الحدود هو الخطوة الصحيحة في توجيه الإنسان الأفريقي ليعرف نفسه أولًا، لكي يقرر في مصيره ومستقبله بحرية، دعونا نخبرهم بأن حرية التنقل تفعل ما لا يمكن أن تفعله الأشياء الأخرى، وأن أفريقيا ليست سيئة، وإنما مكان أرحب وأفضل.
بفضل التكنولوجيا اليوم، مع استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة، يستطيع أي طفل في أي قرية الوصول إلى التعليم الجيد، ويستطيع أن يصل إلى المعلومة بصورة متساوية مع الطفل الآخر الموجود في أي عاصمة من عواصم العالم، ويستطيع الجلوس معه في نفس الفصل افتراضيًا عبر الوسائط المختلفة ،هنا تكمن حرية التفكير والوصول.






