
بقلم : عزت خيري
نشر حساب على فيسبوك يستخدم اسم «أميرة كرار» نصّاً يحرّض صراحةً على اغتيال الأستاذة رشا عوض، ويستنفر الأجهزة والكتائب لقتلها، ويعيّر حملة السلاح بأن صاحبة هذا القلم ما تزال حيّةً تكتب. ثم يسمّي الرصاصة المطلوبة لإسكاتها «رصاصة حق»، ويجعل اغتيالها «الفريضة الغائبة»!
أن يبلغ العجز عن مقارعة الكلمة حدَّ استدعاء القنّاص، فذلك بعض ما انتهى إليه هؤلاء. وأن يُرفع التحريض على الاغتيال إلى مقام الفريضة، فذلك مبلغ استرخاصهم للدم، واجترائهم على الله، وهم يلبسون أحقادهم ثياب دينه.
وأعلن تضامني الكامل مع الأستاذة رشا عوض، ودعمي لها ولمواقفها الداعية إلى وقف الحرب والسلام والتحول الديمقراطي، والرافضة للعنف. فانحيازها إلى حياة السودانيين وحريتهم، وإلى وطن تحكمه إرادتهم، يستحق المساندة الواضحة.
ولرشا، قبل ذلك وفوقه، حقٌّ أصيل في أن تعيش آمنةً وتقول رأيها، لا تمنحه جماعة، ولا تسحبه كتيبة، ولا يتوقّف على رضا أحد.
تأمّلوا كيف يمهّد هذا الخطاب طريقه إلى الأذى: يبدأ بالبذاءة، ثم ينزع عن المستهدَف وطنيته وكرامته، حتى تصبح الدعوة إلى قتله خاتمةً يُراد للقارئ أن يستحسنها. كأن صاحبه يهيّئ للجريمة موضعاً في الضمير، ويزيل من طريقها ما بقي من حرمة النفس. وتلك صنعة التحريض: إسقاط حرمة الإنسان في المواقع، تمهيداً لاستباحته في الواقع.
كان أهلنا يعرفون صلاح المرء بما يكفّه من أذى، وما يجبره من خاطر، وما يصلحه بين المتخاصمين. وكان من أدب الطريق إلى الله أن يأمن الناس جانبك، وأن يجد المحتاج عندك ما يسند قلبه، وأن يكون لك نصيبٌ في ستر الخلق والرفق بهم. ومن ادّعى القرب من الله ثم ضاق بسلامة عباده، فقد نقض دعواه بفعله.
فمن أين جاء هؤلاء بطريقٍ إلى الله يمرّ فوق أجساد عباده؟ وأيُّ صلاحٍ يُرتجى من خطابٍ يزيّن للناس إيذاء بعضهم؟ ما أهون دعوى التديّن حين تهون حرمة الدم، وما أبعد كثرة الحديث عن الدين عن العمل برحمته.
وتقيم رشا عوض الآن خارج السودان. ولذلك فإن التحريض على اغتيالها يحمل التهديد إلى بلد إقامتها، ويمسّ سيادته وحقّه في حماية المقيمين على أرضه. وتتجاوز دلالته استهداف كاتبة بعينها إلى تخويف قادة التيار الديمقراطي وأصحاب الرأي في دول الجوار وسائر بلدان اللجوء. كأن الذين ضيّقوا على السودانيين وطنهم يريدون أن يضيّقوا عليهم المنافي أيضاً، وأن ينزعوا عنهم الطمأنينة حيث وجدوا مأوى.
وفي التضامن مع رشا عوض تجدّيد لموقفي الرافض لإرهاب جماعة الإخوان المسلمين.
إن هذه الجماعة لا تعير الحدود بالاً حين تتعقّب خصومها، ولا ترى في حرمة الأوطان وسيادة الدول ما يردّها عن غاياتها. فالوطن في حسابها يُستدعى حين يخدم سلطان التنظيم، وتُرفع السيادة شعاراً حين تحمي نفوذه؛ فإذا آوى بلدٌ من يخالفها، ضاقت بأمانه، وأرادت أن تحمل إليه خصومتها وأذاها.
ومن هنا أجدّد الدعوة إلى تضامن إقليمي نشط في مواجهة إرهابها العابر للحدود، تتكامل فيه جهود الدول وإجراءاتها. فالإدانة والتصنيف داخل كل دولة يحتاجان إلى تنسيق يواجه امتداد الشبكات بين البلدان.
وأرى أن العمل نحو تصنيف إقليمي مشترك للجماعة بوصفها تنظيماً إرهابياً، مقروناً بتبادل المعلومات عن التهديدات وملاحقة المتورّطين في التحريض وتمويل الاعتداءات والتخطيط لها، يمكن أن يعزّز هذه المواجهة، في إطار القانون وضمانات العدالة.
وفي هذا التعاون مصلحة مشتركة لدول المنطقة وشعوبها؛ فهو يصون السيادة، ويحمي المقيمين، ويحفظ للبلدان حرمتها، ولمن آوتهم حقّهم في الطمأنينة. فإرهابٌ يعبر الحدود لا تكفي لمواجهته إداناتٌ تقف عندها.
وللقوى الديمقراطية والمؤسسات الصحفية والحقوقية نصيبها من المسؤولية: توثيق التهديدات، وإبلاغ الجهات المختصة، ومساندة المستهدَفين، ومتابعة المساءلة القانونية للمحرّضين ومن يقفون وراءهم. فالتضامن يأخذ معناه حين يصير عملاً متّصلاً، وسنداً يلمسه صاحبه في حياته.
ونتمسّك بحرية التعبير حقّاً للجميع، وبحرمة النفس أصلاً لا تنقضه الخصومة. فمن كانت له حجّة فليكتبها، ومن أراد مناقشة موقف فله سعة الكلام. أمّا التهديد بالسلاح، فلا يقيم حجّةً ولا يمنح صاحبه حقّاً.
ولأهل الكلمة أن يحيطوا رشا عوض، وكلَّ صاحب رأي يتعرّض للتهديد، بمساندة واضحة ومتّصلة؛ فالكلمة الحرّة تستحق أن تُقال في طمأنينة.
يا هؤلاء…
ما احتاج الحق إلى اغتيال من يخالفه، ولا يُسقط اختلافُ الرأي حرمةَ النفس.
ولن نترك لكم أن تجعلوا الوطن مقبرةً…
والمنفى كميناً…
والدين إذناً بإراقة الدم.
نقلاً عن “صحيح السودان”







