تحركات البرهان بعد تسريبات كِبر.. محاولة لاحتواء الأزمة أم إعادة إنتاج التكتيكات القديمة؟
في بلد تتقاطع فيه الحرب مع إرث طويل من التحالفات السياسية الملتبسة، جاء التسريب الأخير المنسوب لرئيس مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني المحلول ليعيد خلط الأوراق ويضع قائد الجيش السوداني في قلب عاصفة سياسية جديدة، تكشف عن هشاشة الخطاب الرسمي وتناقضاته، وتثير أسئلة حول ما إذا كانت التحركات الأخيرة محاولة لتجاوز آثار التسريب أم مجرد امتداد لتكتيكات قديمة أعادت إنتاج نفسها في لحظة حرجة من تاريخ البلاد.
فالفيديو الذي بثته قناة “سكاي نيوز عربية” لم يكن مجرد تسجيل عابر، بل إفادة صادرة عن شخصية نافذة داخل الحزب المحلول، ما جعل محاولات نفيه غير ذات جدوى. وقد حمل التسريب اتهامات مباشرة تقلل من مكانة قائد الجيش، وتصفه بأنه “لم يكن سوى غفير”، لكنه ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن علاقة مباشرة تربط البرهان بالتنظيم، مشيرًا إلى أنه اختير “للقضاء على المتظاهرين” ثم للبقاء في الحكم خمس سنوات ريثما يعيد التنظيم ترتيب صفوفه. كما أشار إلى أن البرهان كان ينتقد المؤتمر الوطني نهارًا، ثم يعتذر لقياداته ليلًا تحت ذريعة الضغوط الدولية، مؤكدًا لهم أن بإمكانهم “العمل كالمعتاد”.
هذه الإفادات وضعت قائد الجيش في موقف بالغ الحرج، خاصة أنه ظل يؤكد أمام القوى المحلية والإقليمية والدولية أنه لا يرتبط بأي صلة بالحركة الإسلامية أو الحزب المحلول. وكان السؤال المتكرر داخليًا: “أين هم الكيزان؟”، بينما كان يجيب خارجيًا بأنهم “قرروا مساندته في إطار الحرب على الدعم السريع”، أو أنه يسعى إلى “التخلص منهم تدريجيًا”. لكن التسريب أعاد رسم المشهد، ليس عبر كشف أماكن وجودهم، بل عبر الإشارة إلى وجود تواصل مباشر بين الطرفين، وهو ما يقوّض السردية التي حاول البرهان ترسيخها طوال الفترة الماضية.
وتزامن هذا التسريب وفق جريدة ديسمبر مع دخول التصنيف الأميركي للحركة الإسلامية السودانية وذراعها العسكري كتيبة البراء بن مالك كتنظيمات إرهابية حيّز التنفيذ، ما جعل البرهان يسارع إلى نفي أي علاقة تربطه بأي جهة سياسية “تسعى لاستعادة السيطرة”، مؤكدًا التزامه بتسليم السلطة للسودانيين. واستخدامه لعبارة “الإخوان المسلمين” بدا موجّهًا للخارج، في محاولة لطمأنة واشنطن بعد إجراءات التصنيف.
لكن التحركات التي تلت ذلك لم تكن جديدة على المشهد السوداني. فنهج “التطعيم بالآخرين” الذي اتبعه البرهان يعيد إلى الأذهان تكتيكات الجبهة الإسلامية القومية في سنواتها الأولى بعد انقلاب 1989، حين كانت تعتمد على الدفع بوجوه غير حزبية إلى الواجهة لإخفاء سيطرتها على مفاصل الدولة. ويبدو أن البرهان يستعيد هذا الأسلوب، مع إضافة خاصية أخرى تتمثل في إضعاف حلفائه بشكل مستمر، وهو ما فعله خلال المرحلة الانتقالية حين رعى انقسام قوى الحرية والتغيير، ثم دعم تشكيل “الكتلة الديمقراطية”، التي لم تسلم بدورها من الانشقاقات.
وفي الأسبوع الماضي، دفع البرهان بأوراق جديدة عبر تدشين تحالف “قوى الثورة للقضايا الوطنية (وطن)”، الذي يضم شخصيات مرتبطة بثورة ديسمبر، في محاولة واضحة لتقديم نفسه إقليميًا ودوليًا كقائد غير مرتبط بالإسلاميين. وقد تبع ذلك لقاءات خارجية مع الآلية الخماسية وجهات أوروبية، بالتوازي مع تعيين مستشار سياسي جديد من الوجوه المحسوبة على الثورة، في خطوة تهدف إلى تعزيز هذا الانطباع.
لكن المعضلة الأساسية لا تكمن في الوجوه التي يدفع بها البرهان إلى الواجهة، بل في الإجراءات الفعلية التي يتعين عليه اتخاذها ضد قادة الحركة الإسلامية وذراعها العسكري المصنف إرهابيًا. فكل ما سيصدر عنه من تصريحات دون خطوات ملموسة سيظل بلا أثر، بل قد يعزز الانطباع بأنه جزء من كيان سياسي بات مشمولًا بتصنيف الإرهاب، وأن محاولاته لإعادة تشكيل المشهد ليست سوى امتداد لتكتيكات قديمة تتجدد كلما ضاق الخناق السياسي والدولي.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو السودان أمام لحظة اختبار حقيقية، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع حسابات الداخل، بينما يظل مستقبل البلاد مرهونًا بقدرة الفاعلين السياسيين والعسكريين على تجاوز إرث المناورات القديمة، والانخراط في مسار يعيد للدولة مؤسساتها ويضع حدًا لحرب أنهكت المجتمع وأضعفت ما تبقى من بنيته السياسية.