أكثر من 11 ألف مفقود… تكلفة مرعبة لحرب السودان ومستقبل قاتم

0

قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن عدد حالات الأشخاص المفقودين المسجلة لديها في السودان تجاوز 11 ألف حالة، مسجِّلة زيادة بنسبة 40% خلال العام الماضي وحده.

وأوضحت اللجنة في تقرير صادر عنها، الثلاثاء، أن أكثر من 11 مليون شخص نزحوا بسبب الحرب، منهم 4 ملايين غادروا البلاد كلياً بحثاً عن الأمان خارج الحدود.

وأشارت إلى أن ما بين 70% إلى 80% من مرافق البنية التحتية للرعاية الصحية في مناطق النزاع إما توقفت عن العمل أو تعاني شحاً شديداً في الموارد، بينما يعتمد قرابة 70% من السكان على الزراعة ورعي الماشية، اللذين تضررا بشدة.

وقال رئيس بعثة اللجنة الدولية في السودان، دانيال أومالي، في تصريحات سابقة: “لقد بلغت معاناة المدنيين من جراء الحرب مستويات غير مسبوقة”، محذراً من أن “التقاعس اليوم سيكلفنا ثمناً باهظاً لا يستطيع أحد تحمّله غداً”.

مآسٍ متجددة                          

في قلب النزاع المسلح الذي يمزق السودان، تولد كل يوم مأساة صامتة خلف الأبواب الموصدة وفي مخيمات النزوح. وهي مأساة لا تقتصر على دوي الانفجارات أو نقص الغذاء، بل تمتد لتطال أعمق الروابط الإنسانية والعائلية.

وبينما تحصي التقارير الرسمية عدد القتلى والجرحى، يظل هناك جيش من “المفقودين” الذين لا يُعرف لهم أثر، تاركين خلفهم عائلات تعيش في “تعذيب مستمر” يغذيه عدم اليقين، وصراعاً مريراً مع نظام جنائي وإنساني يرزح تحت وطأة الانهيار.

أرقام تنطق بحجم الكارثة

لم يعد ملف المفقودين في السودان مجرد حالات فردية، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وقانونية مرعبة. ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، تعاملت المنظمة، بالتعاون مع الهلال الأحمر السوداني، مع أكثر من 11 ألف حالة فقدان رسمية بحلول نهاية مارس 2026.
والمثير للقلق ليس الرقم في ذاته فحسب، بل وتيرة تصاعده؛ إذ سجلت هذه الحالات زيادة حادة بلغت 40% في غضون عام واحد فقط.

وتضم هذه القائمة الطويلة آباءً خرجوا ولم يعودوا، وأطفالاً تاهوا في زحام النزوح القسري، ومحتجزين انقطعت أخبارهم خلف الأسوار. وتؤكد اللجنة الدولية أن هذه الأرقام تمثل مجرد “قمة جبل الجليد”، حيث لا تزال آلاف الحالات الأخرى غير مسجلة بسبب تعذر الوصول إلى المناطق الملتهبة أو خوف العائلات من الإبلاغ.

تعذيب “عدم المعرفة” والآثار المجتمعية

يصف التقرير حالة عدم اليقين التي تعيشها الأسر بأنها “نوع من التعذيب النفسي”؛ فبدون معرفة ما إذا كان الشخص حياً أو ميتاً، تدخل العائلة في حالة من الشلل القانوني والاجتماعي.

زوجات لا يعرفن وضعهن الاجتماعي، وأطفال ينشؤون بلا هوية واضحة للأب، وأملاك مجمدة لغياب أصحابها. هذا “اليقين المفقود” يمنع الأسر من الوصول إلى حالة “حسم المصير”، ما يجعل الجرح الإنساني مفتوحاً لسنوات، وهو ما يحذر منه الخبراء كقنبلة موقوتة تهدد التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي في مرحلة ما بعد النزاع.

البحث عن كرامة في الموت

البعد الآخر الأكثر قتامة في هذه الأزمة هو ملف “إدارة الموتى”. ففي العاصمة الخرطوم وحدها، تم انتشال ودفن أكثر من 20 ألف جثمان.

والتحدي هنا لا يكمن في الدفن ذاته، بل في “منهجية الدفن”، إذ يشير تقرير اللجنة الدولية إلى أن غياب الأنظمة الهيكلية لتوثيق الجثث وتحديد هويتها يمثل كارثة حقوقية.

فالكثير من الرفات البشرية تُدفن في مقابر جماعية أو فردية دون سجلات طبية قانونية أو عينات (DNA)، ما يجعل فرص العائلات في التعرف على ذويها مستقبلاً شبه مستحيلة.

إن احترام “حرمة الموتى” ليس مجرد قيمة دينية أو أخلاقية، بل هو التزام قانوني صارم في القانون الدولي الإنساني.

وتعمل الفرق الدولية حالياً على تعزيز قدرات الطب الشرعي الوطنية في السودان، لضمان توثيق كل جثمان ببيانات كافية، بما يسمح بفتح هذه الملفات لاحقاً ومنح العائلات “إجابة” تنهي سنوات الانتظار وتمكنهم من ممارسة طقوس الحداد بكرامة.

الاحتجاز… الثقب الأسود في ملف المفقودين

يبرز ملف الاحتجاز كواحد من المحركات الرئيسية لزيادة أعداد المفقودين، إذ يُعتقل كثير من الأشخاص على خلفية النزاع دون إبلاغ ذويهم، ما يحولهم تلقائياً إلى عداد المفقودين.

وتكافح اللجنة الدولية، بصفتها وسيطاً محايداً، لانتزاع حقوق هؤلاء المحتجزين في التواصل مع العالم الخارجي، وفقاً للتقرير الصادر عنها.

ورغم العقبات الأمنية، نجحت الجهود في تيسير أكثر من 62 ألف اتصال بين أفراد عائلات مشتتة خلال العام الماضي. وتؤكد اللجنة أن تمكين المحتجزين من إبلاغ عائلاتهم بوجودهم هو “حق أصيل” يمنع حالات الاختفاء القسري ويقلل من وطأة الأزمة على المجتمع.

مسار التعافي الصعب

تخلص الرؤية الحقوقية في السودان إلى أن إهمال ملف المفقودين الآن سيجعل المصالحة الوطنية مستقبلاً أمراً بعيد المنال. فقد أثبتت التجارب الدولية في النزاعات المشابهة أن المطالب المتعلقة بالحقيقة والعدالة والمساءلة تبدأ دوماً من توضيح مصير المفقودين.

إن القضايا غير المحسومة تعمق الانقسامات وتغذي المظالم التاريخية، مما قد يؤدي إلى تجدد العنف.

لذا، فإن التحرك الآن لتوثيق الرفات، وتتبع أثر المحتجزين، ودعم شبكات التواصل العائلي، ليس مجرد عمل إنساني إغاثي، بل هو استثمار في استقرار السودان المستقبلي، وفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر.

إن حماية “النسيج المدني” تبدأ من ضمان ألا يظل أي سوداني “مجهول المصير”، وألا تُدفن الحقيقة تحت التراب مع رفات لم تُعرف هويتها.

خيارات اليوم ترسم ملامح الغد

إن الرسالة التي يبعث بها الواقع الميداني في السودان هي أن “المستقبل لا تشكله المفاوضات السياسية فحسب، بل تشكله الطريقة التي نُعامل بها الضحايا اليوم”.

إن الالتزام بقواعد الحرب، واحترام حقوق العائلات في معرفة مصير أبنائها، هي الخطوات الأولى نحو استعادة الإنسانية في حرب سعت إلى تجريد البشر من كرامتهم أحياءً وأمواتاً.

ويبقى ملف المفقودين في السودان هو الاختبار الحقيقي لضمير العالم ولأطراف النزاع فهل سيمنح السودانيون حقهم في اليقين، أم سيظل الصمت سيد الموقف.

نقلاً عن “صحيح السودان”

Leave A Reply

Your email address will not be published.