
محمد حسن دولي
بينما تخطو أفريقيا بخطوات متسارعة نحو تعزيز التجارة البينية وتسهيل حركة الأفراد ورؤوس الأموال، يبرز سؤال مهم : هل يشكل التنوع اللغوي في القارة عائقاً أمام تحقيق التكامل المنشود؟
لا شك أن أفريقيا تُعد من أكثر قارات العالم تنوعاً من الناحية اللغوية، إذ تضم أكثر من ألفي لغة إلى جانب اللغات الرسمية المتداولة مثل العربية والإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية وقد أدى هذا الواقع في بعض الأحيان إلى صعوبات في التواصل بين الشعوب، وتعقيد بعض المعاملات التجارية والاستثمارية، فضلاً عن زيادة تكاليف الترجمة والتوثيق وتبادل المعلومات
غير أن النظر إلى هذا التنوع باعتباره عقبة دائمة قد يكون حكماً متجاوزاً للحاضر بأدواته، فالتجارب الدولية تثبت أن التعدد اللغوي لا يمنع التكامل إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة، ويكفي أن ننظر إلى الاتحاد الأوروبي الذي يضم عشرات اللغات الرسمية، ومع ذلك نجح في بناء واحد من أكبر التكتلات الاقتصادية والسياسية في العالم.
في الواقع، لم تعد اللغة تشكل الحاجز الذي كانت عليه في الماضي، فقد أسهمت التطورات التقنية الحديثة، وفي مقدمتها تطبيقات الترجمة الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، في تقليص الفجوة اللغوية وتسهيل التواصل بين الأفراد والشعوب والمؤسسات والشركات عبر الحدود.
من هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد اللغات، فقد ذهب في حينه العديد من المفكرين والخبراء الأفارقة إلى الدعوة لاعتماد لغة أفريقية مشتركة، وفي مقدمتها السواحيلية، كلغة تواصل قارية مساندة، مع الحفاظ الكامل على اللغات الوطنية والمحلية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية للشعوب، وذلك من واقع التحدي آنذاك، لا من واقع كيفية إدارة التنوع والاستفادة منه. وإذا لم تخنّي الذاكرة، يمكن الإشارة إلى بعضهم، أمثال المفكر التنزاني الجنسية (جوليوس نيريري)، والأديب والمفكر الكيني الجنسية (نغوغي وا ثيونغو)، مروراً بالمفكر الكيني ذي الأصول العُمانية (علي بن الأمين المزروعي)، وغيرهم من المفكرين والأدباء الذين ذهبوا إلى ذلك، في وقت كانت فيه التقنية اللغوية مجرد حلم يراود علماء اللغة ومهندسي التكنولوجيا والعولمة.
إلا أنه اليوم أصبح من الضروري إعادة النظر في أفكارنا ومقارباتنا، في ظل واقع جديد تتسيّد فيه التقنيات اللغوية فضاءات التواصل والمعرفة، حتى تحولت إلى لسان العصر الحديث ووسيلة التواصل الأوسع انتشاراً، والجسر الذي يصل بين اللغات والثقافات المختلفة، وعنصراً أساسياً في تشكيل المعرفة وتيسير التواصل بين الشعوب، حتى غدت أداة اللغة الحديثة ولسانها الجديد، التي تعبر من خلالها الأفكار والعلوم بين الشعوب الأمم.
أن التمسك بثرائنا اللغوي الذي استقيناه من تنوعنا الثقافي هو الأقرب إلى وجداننا وحقيقتنا وأصالتنا التي تميزنا عن غيرنا، إذا احتويناها بإرادتنا السياسية الحرة النابعة عن قناعة بهويتنا، بحيث يمكن أن نستثمر هذا التنوع ونثريه، بعيداً عن المركزيات اللغوية التي نشأت حديثاً في بعض الدول، والتي عملت بصورة واضحة على تراجع لغات أخرى كانت سائدة بين متكلميها وهنا يمكن أن نقتبس مقولة المفكر والفيلسوف أومبرتو إيكو (أوروبا تتحدث جميع اللغات) على سبيل الاستئناس، لنقول: (إفريقيا تتحدث ألفي لغة).
كما أن تعزيز تعليم لغاتنا، والاستثمار في الترجمة والتقنيات اللغوية الحديثة، وتطوير المحتوى الرقمي الأفريقي متعدد اللغات، كلها خطوات يمكن أن تسهم في بناء جسور التواصل بين أبناء القارة والوطن الواحد، ليكون ذلك الباب الذي نعبر منه إلى السلام وقبول الآخر.
لذا نحن بحاجة إلى العمل على إخراج جميع لغاتها من مخابئها، وأن نقوم بتطويرها واستثمارها تقنياً للاستفادة منها في جميع النواحي، فالتنوع اللغوي ليس عبئاً يجب التخلص منه، بل ثروة ثقافية وحضارية ينبغي الحفاظ عليها.
أما الهدف الأهم فهو أن يتمكن الأفارقة من التحدث إلى بعضهم البعض بسهولة، وأن تتحرك الأفكار والسلع والاستثمارات والأشخاص عبر الحدود بالسهولة نفسها التي تتحرك بها الطموحات نحو مستقبل أفريقي أكثر وحدة وازدهاراً، فاللغة في نهاية المطاف ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي جسر للتفاهم والتعاون وبناء المصير المشترك.
-
تنويه :
(تمت المراجعة اللغوية بمساعدة أدوات تقنية حديثة دون التأثير في النص والفكرة).
28/مايو/2026م






