
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
واقع القطاع الزراعي في السودان
تحليل المشهد الزراعي والتشوهات الهيكلية: من التمييز الاستثماري إلى الهشاشة الوطنية
يُمثّل السودان حالة جيوسياسية فريدة بفضل تنوعه المناخي والبيئي، الذي يمتد من المناطق شبه الصحراوية شمالاً إلى حزام السافانا الغني بالأمطار جنوباً. ومع ذلك، لم يُستثمر هذا التنوع لتحقيق تنمية زراعية شاملة، بل تحوّل إلى نقطة ضعف هيكلية نتيجة سياسات استثمارية “انتقائية” تاريخياً؛ إذ ركّزت الدولة استثماراتها في مناطق محددة عوضاً عن اعتماد نموذج تنموي متكامل، مما أدى إلى تهميش أجزاء واسعة من البلاد، ومهّد الطريق لظهور حركات مسلحة تطالب بتحقيق عدالة التنمية.
التحيز الاستثماري وأثره على الفقر الإقليمي:
كشف تحليل توزيع الإنفاق الحكومي للفترة (1956-2018) عن وجود تحيز هيكلي حاد أدى إلى توسيع الفجوة بين المركز والأطراف، وهو ما يفسر تباين معدلات الفقر كالآتي:
القطاع المروي (60% من الإنفاق): تركز الدعم في مشاريع الوسط النهرية الموجهة للصادرات والقمح، مما أسهم في خفض معدلات الفقر هناك إلى ما بين 32% و38%.
القطاع المطري الآلي (30% من الإنفاق): نال دعماً محدوداً اقتصر على الوقود وبعض المحاصيل النقدية، دون استثمار حقيقي في القيمة المضافة.
القطاع المطري التقليدي (10% من الإنفاق): رغم أنه يعيل أغلبية سكان الريف، إلا أن إهماله المزمن أدى إلى ركود الإنتاجية وارتفاع معدلات الفقر في أطراف البلاد، لتصل إلى 64.17% في دارفور و54.17% في كردفان.
البيئة التنظيمية وأزمة الحيازة:
تفاقمت هذه الهشاشة جراء “قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970″، الذي نزع الشرعية عن أنظمة الحيازة العرفية (الحواكير) لصالح الملكية الحكومية الاسمية. وقد شكّل هذا التشوه القانوني “محركاً للنزاع”؛ إذ نُزعت أراضي صغار المنتجين لمصلحة كبار المستثمرين والشركات العابرة للحدود، حتى صار هؤلاء المزارعون في كثير من المناطق مجرد عمال في أراضيهم التي يتمتعون فيها بحقوق تاريخية.
من جهة أخرى، تعاني الجهات المعنية بإدارة القطاع الزراعي من ضعف مؤسسي وقصور في القدرات، مما يعيق تقديم الخدمات وتنفيذ السياسات بفاعلية. كما يؤدي غياب التنسيق بين المؤسسات الحكومية، وضعف التعاون بين المانحين والمنظمات الدولية، إلى تشتيت الجهود وإهدار الموارد.
العوامل الفنية
تُمثل تحديات الإنتاج والإنتاجية جوهر الأزمة التي يعاني منها القطاع الزراعي في السودان؛ إذ تتجلى فجوة كبيرة بين الإمكانات الطبيعية الهائلة والمخرجات الفعلية المتواضعة. ويعود ذلك إلى ضعف تمويل مؤسسات البحث العلمي ومحدودية انتشارها، وغياب الخطط الوطنية والتنسيق بين الهيئات البحثية. كما أدت خصخصة المراكز الحكومية للبحوث وإكثار البذور إلى تدهور جودتها وانخفاض إنتاجيتها، مما انعكس سلباً على حجم الغلة ودخل المزارعين. ومن جهة أخرى، يعاني نظام الإرشاد الزراعي من عجز حاد في القدرات؛ حيث يقل عدد موظفي الإرشاد في السودان عن عُشر نظرائهم في مصر، وهو ما يعيق نقل المعرفة ويحد من قدرة المزارعين على تطبيق التقنيات والعمليات الفلاحية السليمة. ونتيجة لذلك، ساد نظام الزراعة الأحادية الذي أدى إلى تدهور التربة وتعريتها جراء تكرار زراعة المحصول نفسه وإهمال الدورة الزراعية.
التحديات التسويقية:
يُعد الوصول الفعال إلى الأسواق حلقة الوصل الحيوية بين الإنتاج والربحية، وبدونه يفقد الإنتاج الزراعي قيمته الاقتصادية. وتُمثل العقبات الهيكلية والميدانية حائلاً أمام تحويل جهود المزارعين إلى دخلٍ مستدام، مما يُعزز حلقة الفقر في المناطق الريفية؛ إذ تتسبب البنية التحتية المتهالكة وبُعد مناطق الإنتاج في ارتفاع تكاليف النقل، مما يُقيّد وصول صغار المنتجين إلى الأسواق، ويُفاقم خسائر ما بعد الحصاد، ويُقلص عوائد المزارعين. ومن جانب آخر، يواجه المزارعون -لا سيما مربو الماشية- إخفاقات سوقية تُضعف موقفهم التفاوضي؛ نتيجة النقص الحاد في المعلومات الدقيقة عن الأسعار، مما يضطرهم غالباً للبيع للتجار المحليين بأسعار بخسة. كما يعاني السودان من غياب بنية تحتية تسويقية حديثة، كالبورصات الزراعية التي تضمن شفافية الأسعار، والمخازن المبردة التي تسمح بحفظ المنتجات القابلة للتلف، وتمنح المزارعين مرونة أكبر في اختيار توقيت البيع.
التغير المناخي
يعاني السودان من “هشاشة مناخية” تعكس ضعف قدرة نظامه البيئي والاجتماعي على مواجهة الصدمات، إذ يحتل المرتبة 175 من أصل 181 دولة على مؤشر التأثر بالمناخ. وتفرض هذه الهشاشة ضغوطاً هائلة على الموارد الطبيعية والقطاع الزراعي، حيث تشير الدراسات إلى أن البلاد ستشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة خلال شهر أغسطس من كل عام بمعدل يتراوح بين 1.5 و3.1 درجة مئوية، وانخفاضاً في هطول الأمطار بمتوسط 60 ملم شهرياً خلال الموسم. ويؤدي ذلك إلى زيادة معدلات تبخر المياه، مما يسبب إجهاداً شديداً للمحاصيل والماشية ويقلص الموارد المائية المتاحة، كما يهدد تذبذب الأمطار وعدم انتظامها المواسم الزراعية بأكملها، ويزيد من مخاطر فشل المحاصيل الأساسية التي يعتمد عليها ملايين السكان، كالذرة الرفيعة والدخن.
وتُعد أنظمة الزراعة المطرية الأكثر عرضة لهذه التغيرات، إذ تشير التوقعات إلى انخفاض إنتاجية الذرة الرفيعة في غرب السودان بنسبة تصل إلى 80%، وتراجع إنتاجية الدخن والصمغ العربي. ويؤدي هذا التدني في الإنتاج الزراعي إلى أزمات غذائية تدفع نحو النزوح والهجرة الجماعية بحثاً عن سبل العيش، ويفاقم ذلك سوءُ إدارة الموارد الطبيعية، مثل القطع الجائر للغابات التي تُعد مصدراً أساسياً للطاقة المنزلية، والتوسع في الزراعة الآلية على حساب المراعي والغابات -لا سيما في المناطق شحيحة الأمطار- مما أدى إلى تدهور التربة وتعريتها جراء الاستخدام غير الرشيد.
آثار حرب 15 ابريل 2023
في النزاع الراهن، تحولت الأصول الزراعية إلى “سلاح حرب”، إذ لم تكن الأضرار جانبية بل استراتيجية استهدفت شل القدرة الإنتاجية الوطنية وتفكيك النسيج الاقتصادي للريف؛ فقد نُهبت ودُمرت الآليات والمعدات والمدخلات الزراعية، كما أدى تدمير الوحدات البيطرية وسرقة الماشية ونفوق أعداد ضخمة منها إلى انهيار عماد الاقتصاد الريفي، وفقدان ملايين الأسر لـ”رأس مالها الحي”.
وعلى صعيد آخر، توقفت ثلثا شركات التصنيع الزراعي عن العمل تماماً بسبب دمار البنية التحتية، مما أدى إلى تعثر تحول النظم الغذائية، وفقدان آلاف الوظائف، وعجز حاد في إمدادات الدقيق، مع ارتهان كامل للاستيراد وتضخم في أسعار الخبز.
كما تدهورت المنظومة الداعمة؛ حيث تعطلت الطرق الريفية وأُغلقت الممرات المؤدية للموانئ، مما رفع التكاليف اللوجستية بنسب قياسية بلغت 81% للسكر و77% لزيت الطعام. وإلى جانب ذلك، تسبب انهيار النظام المصرفي في أزمة سيولة خانقة، أفاد 61% من المزارعين بأنها منعتهم من الزراعة لعدم قدرتهم على تمويل المدخلات. هذا الانسداد المالي، مقترناً بتدمير المخازن المبردة والبنية اللوجستية، حول الفائض الإنتاجي في بعض المناطق إلى “هدر”، بينما تعاني مناطق أخرى من المجاعة، مما يبرز ضرورة التدخل العاجل لاستعادة مرونة سلاسل التوريد.
أما على مستوى رأس المال البشري، فلم يقتصر أثر النزاع على تدمير الآليات، بل امتد إلى تآكل الكفاءات المتخصصة، وهو ضرر قد يستغرق إصلاحه أجيالاً. فقد أعاد النزاع تشكيل الخارطة الديموغرافية للزراعة السودانية؛ إذ أدى نزوح 28% من المزارعين -خاصة من دارفور وكردفان- إلى فراغ إنتاجي حاد، كما دفع غياب الرجال إلى تحول النظم الزراعية نحو “زراعة الكفاف” بدلاً من الإنتاج التجاري، وزاد العبء الجسدي والاقتصادي على النساء والأطفال. وتفاقمت هذه الآثار بانقطاع انتقال الخبرات الفلاحية بين الأجيال بسبب النزوح الممتد، وانهيار منظمات المنتجين وتفكك الروابط المجتمعية التي كانت تمثل “البنية التحتية الاجتماعية” للصمود الجماعي وتبادل الموارد..
أمام هذا المشهد الذي يمزج بين الدمار المادي وتمزيق النسيج المجتمعي، يبرز السؤال الاستراتيجي التالي: هل يمكن للسودان توجيه خططه الاستثمارية في مرحلة ما بعد الحرب لتحقيق سلام دائم عبر التنمية الشاملة وإعادة بناء نظامه الزراعي على أسس العدالة وتوزيع الموارد؟ أم أن إرث الماضي وألغام السياسة ستبقي جذور النزاع كامنة؟ للإجابة على ذلك، سنخصص المقالات الأربعة المتبقية من هذه السلسلة، وسنبدأ في المقال القادم بتحليل مفهوم الاستثمار الزراعي المسؤول وكيفية تطبيقه في السودان كركيزة للاستثمار في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار.
saniali2010@gmail.com





