
تمثل زيارة وفد القوى المدنية السودانية إلى العاصمة الكندية أوتاوا محطة لافتة في تحركات القوى المناهضة للحرب والساعية إلى الدفع باتجاه حل سياسي للأزمة السودانية، خصوصاً مع اتساع دائرة اللقاءات التي أجراها الوفد مع مسؤولين في الحكومة ووزارة الشؤون الدولية الكندية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والمانحين وصناع القرار.
وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها تأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية من أجل وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية، بينما تسعى القوى المدنية إلى تثبيت حضورها في أي مسار سياسي مقبل باعتبارها طرفاً مدنياً يسعى إلى إنهاء القتال واستعادة مسار الحكم المدني الديمقراطي. وقد سبق أن شاركت القوى المدنية في تحركات واتصالات دولية هدفت إلى دفع المجتمع الدولي نحو هدنة وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة.
ويبرز في هذا التحرك الدور الذي يقوم به الدكتور عبد الله حمدوك، الذي يقود الوفد في سلسلة من الاتصالات الدولية الرامية إلى حشد الدعم للجهود المدنية لإنهاء الحرب. وتأتي لقاءات أوتاوا امتداداً لتحرك دبلوماسي أوسع للقوى المدنية، شمل اتصالات مع مسؤولين وشخصيات دولية بشأن وقف الحرب والأزمة الإنسانية ومستقبل الانتقال الديمقراطي.
اتصالات مع الحكومة الكندية..
وفي أوتاوا، عقد وفد القوى المدنية لقاءً مع وزير التنمية الدولية الكندي رانديب ساراي، حيث عرض تطورات الحرب في السودان وما خلفته من كارثة إنسانية واسعة، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالمجاعة وتداعيات استمرار القتال على المدنيين.
كما ناقش الوفد الجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية، والدفع نحو مسار سياسي يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب وتسوية الأزمة السودانية.
وأعرب الوفد عن تقديره للموقف الكندي الداعم للقوى المدنية، مؤكداً أن معالجة جذور الأزمة تتطلب إنهاء الحرب وتهيئة الطريق أمام انتقال سياسي مدني ديمقراطي.
من جانبه، أكد الوزير الكندي دعم حكومته للجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في السودان واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، مع التأكيد على استمرار دعم القوى المدنية الساعية إلى السلام والانتقال الديمقراطي.
حضور في دوائر صنع القرار
ولم تقتصر تحركات الوفد على اللقاء السياسي مع وزير التنمية الدولية، إذ عقد أعضاء الوفد اجتماعات مع مسؤولين كبار في وزارة الشؤون الدولية الكندية، بينهم نائب وزير الشؤون الدولية ديفيد أنجل، ومسؤول ملف وسط وجنوب وشرق أفريقيا بالوزارة.
وخلال هذه اللقاءات، قدم الوفد رؤية تفصيلية لتطورات الحرب، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، وتأثير الصراع السوداني على الإقليم، إلى جانب ما وصفه الوفد بتزايد الاستقطاب الداخلي والخارجي.
كما طرح الوفد رؤيته لطبيعة الصراع، متحدثاً عن الدور الذي يرى أن بقايا نظام الإسلاميين تلعبه في استمرار الحرب والسعي إلى العودة إلى السلطة، داعياً في الوقت نفسه كندا إلى تكثيف دورها الدبلوماسي في دعم جهود السلام.
وطالب الوفد بدور كندي أكبر في الدفع بمبادرتي الرباعية والخماسية، سواء عبر الاتصالات المباشرة مع الأطراف والدول المعنية أو من خلال المؤسسات والمنظمات متعددة الأطراف.
دعم كندي للسلام وإعادة الإعمار
وبحسب ما أعلنه الوفد، أكد المسؤولون الكنديون التزام بلادهم بدعم جهود إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار والانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي.
كما أبدت كندا استعداداً للمساهمة في شراكات مستقبلية لإعادة إعمار السودان بعد انتهاء الحرب، مع إشارة خاصة إلى قطاعات الزراعة والتعدين، وهو ما يفتح، في حال تطور المسار السياسي، باباً للنقاش حول مرحلة ما بعد الحرب وإعادة بناء الاقتصاد السوداني.
وتأتي هذه المواقف في سياق اهتمام كندي متزايد بالأزمة السودانية، حيث شاركت كندا أخيراً مع دول أوروبية في تحالف دولي يركز على حماية المدنيين ومنع الفظائع وتعزيز المساءلة في السودان.
من الدبلوماسية إلى إعادة الإعمار
وفي جانب آخر من الزيارة، عقد وفد القوى المدنية اجتماعاً فنياً مع الموظفين المعنيين بملف السودان في وزارة الشؤون الدولية الكندية، ناقش خلاله خارطة الطريق المقترحة للوصول إلى السلام، والتحديات التي تواجه تحقيق الاستقرار، إضافة إلى احتياجات مرحلة إعادة الإعمار والدور الذي يمكن أن تضطلع به كندا.
كما شارك الوفد في مائدة مستديرة جمعت ممثلين لمنظمات مجتمع مدني ومانحين وصناع قرار، تناولت طبيعة الحرب في السودان، وأبعاد الصراع الإقليمي، واقتصاد الحرب، والسيناريوهات المحتملة لإنهاء النزاع.
اختراق سياسي ورسالة إلى المجتمع الدولي..
وتعكس طبيعة اللقاءات التي أجراها الوفد في أوتاوا انتقال تحرك القوى المدنية إلى مستوى أكثر مباشرة مع دوائر صنع القرار والمؤسسات المعنية بالسياسة الخارجية والتنمية وإعادة الإعمار.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تضع الصوت المدني السوداني في صلب النقاش الدولي حول مستقبل البلاد، في وقت تتجه فيه جهود الوساطة الدولية نحو البحث عن وقف للقتال ومسار سياسي ينهي الحرب.
كما أن مشاركة وفد مدني سوداني في لقاءات رسمية وفنية مع مسؤولين حكوميين، بالتوازي مع التواصل مع المجتمع المدني والمانحين وصناع القرار، تعكس اتساع نطاق التحرك المدني من المطالبة بوقف الحرب إلى طرح تصورات بشأن السلام والاستقرار وإعادة بناء الدولة.
وبقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، تسعى القوى المدنية إلى تقديم نفسها كطرف سياسي ومدني يركز على إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي، مع الدفع نحو إشراك القوى المدنية في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وفي ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والإقليمية، تبدو معركة القوى المدنية الآن مزدوجة: المساهمة في وقف الحرب من جهة، وضمان أن يكون للسودانيين المدنيين حضور مؤثر في تحديد شكل الدولة ومستقبلها من جهة أخرى.
ومن هنا تكتسب زيارة أوتاوا دلالتها الأبرز؛ فهي ليست مجرد سلسلة لقاءات دبلوماسية، وإنما محاولة لتثبيت موقع القوى المدنية في المشهد الدولي المرتبط بالأزمة السودانية، وفتح قنوات سياسية واقتصادية يمكن أن تمتد من جهود إنهاء الحرب إلى مرحلة السلام وإعادة الإعمار.







