
تنطلق اليوم في العاصمة السنغالية داكار الدورة التاسعة والثمانون للمفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والتي ستناقش من بين أجندتها ملف استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي.
وكانت لاهاي قد أنهت قبل أيام اجتماعاً للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وقف فيه سفراء خمس دول ليطالبوا سلطة الانقلاب، بأجوبة لم تقدمها حتى الآن.
ومما لا شك فيه أن ذلك يطرح سؤالاً مفاده: إلى متى تستطيع سلطة انقلاب 25 أكتوبر أن تحتمي بالنفي وحده، فيما تتراكم حولها وثائق وقرارات وبيانات رسمية، ويُغلق في وجه المحققين الباب الوحيد الذي يمكن أن يبرئها إن كانت بريئة؟
ماذا جرى في داكار؟
انطلقت الفعاليات المصاحبة للدورة 89 للمفوضية الأفريقية، التي تستضيفها السنغال من 12 إلى 21 أكتوبر بمشاركة واسعة لمنظمات حقوقية أفريقية ودولية.
وفي اليوم الأول من الفعاليات المصاحبة عُقدت جلسة خاصة نظمها “ائتلاف السودان” بعنوان “تطورات الحرب في السودان”، تناولت الانتهاكات بحق المدنيين والتدخلات الخارجية والاتهامات المتعلقة بالسلاح الكيميائي.
وشهدت الجلسة ثلاث مداخلات. فقد أعربت ليتا موسيامي، عضو المفوضية الأفريقية وعضو البعثة الأفريقية لتقصي الحقائق بشأن السودان، عن اهتمام أعضاء المفوضية والبعثة بالاتهامات الموجهة للجيش، ووصفتها بالخطيرة، وأيدت تحقيقاً دولياً مستقلاً وشفافاً بالتنسيق مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ودعا عبد الباقي جبريل، مدير مركز السودان للمعرفة في جنيف، إلى تحقيق فني مستقل يفحص الأدلة والوثائق والشهادات ويحدد طبيعة المواد المستخدمة والمسؤوليات المحتملة. أما علي بن أبي طالب، مندوب السودان الأسبق لدى الأمم المتحدة في جنيف ونائب رئيس مجلس حقوق الإنسان السابق، فركز على التدخلات الخارجية داعياً إلى مساءلة لا انتقائية فيها ولا ازدواجية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه مداخلات في جلسة جانبية، وليست قرارات صادرة عن المفوضية بوصفها هيئة. بيد أن أهمية الحدث تظهر حين ينتقل الملف من حدود الجدل السياسي إلى منبر حقوقي قاري يملك آلية تقصٍّ خاصة بالسودان.
لماذا الاهتمام المتزايد
الجواب يبدأ من المادة 4(ح) من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي. تنص هذه المادة على حق الاتحاد في التدخل في دولة عضو بقرار من مؤتمره، أي قمة رؤساء الدول والحكومات، في الحالات الخطيرة التي تشمل جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
وهي استثناء مقصود من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وُضع ليمنع تكرار ما جرى في رواندا. ولا ريب أن استخدام سلاح محظور دولياً ضد مقاتلين أو في محيط مدنيين ينقل الأمر من خرق قواعد الحرب العادية إلى خرق أحد أصلب المحظورات في القانون الدولي، فيضع أجهزة الاتحاد أمام اختبار أخلاقي لا يحتمل التأجيل بذريعة “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”.
ويضاف إلى ذلك اختبار المصداقية. فقد علّق الاتحاد عضوية السودان بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 لأن السلطة المنبثقة عنه فاقدة للشرعية الدستورية. فإذا ثبت أن هذه السلطة استخدمت سلاحاً كيميائياً أو أخفت برنامجاً له، صار السؤال عن شرعيتها أثقل، لأن من انقلب على مسار مدني ثم أدار حرباً بهذه الوسائل لا يمكن أن يُعامل كطرف عادي في أي تسوية أفريقية.
وللجوار الأفريقي حصة في الأمر، فـ”هيومن رايتس ووتش” تشير إلى أن السودانيين فروا إلى تشاد ومصر وإثيوبيا وليبيا وجنوب السودان وأوغندا. والكلور مادة صناعية شائعة الاستخدام، فخطره سياسي قبل أن يكون تقنياً. وإذا مرّ استخدام الكيماوي دون محاسبة في حرب أفريقية، فسيرى كثير من الجماعات المسلحة والجيوش الهشة في الإقليم المجاور أنه قابل للتكرار.
وللقارة كذلك مقعد في لاهاي. يشغل السودان مقعداً في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية المؤلف من 41 عضواً، وتنتخب الأعضاء مجموعات إقليمية في مؤتمر الدول الأطراف. أي أن سلطة متهمة بخرق الاتفاقية تجلس في مقعد يفترض أن يمثل القارة في الرقابة على الاتفاقية نفسها.
وقد طالبت الولايات المتحدة، في اجتماع المجلس هذا الأسبوع، المجموعات الإقليمية والدول الأطراف برفض ترشيح الدول التي تبقى في حالة عدم امتثال.
وأخيراً يأتي حق الضحايا. فالضحايا في دارفور والجزيرة وأم درمان والخرطوم أفارقة أولاً، والمفوضية الأفريقية هي المنبر القاري المخصص لحماية حقوقهم. وتجاهلها لهم يعني ترك قضيتهم لمنابر أجنبية ثم الاعتراض على “التدخل الأجنبي”.
لماذا الآن؟
لأن عدة مسارات التقت في أسابيع قليلة. فمنذ أن خلصت وزارة الخارجية الأميركية في 24 أبريل 2025 إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، وأعلنت ذلك في 22 مايو 2025، بدأت أول جولة عقوبات في 27 يونيو 2025، تلتها جولة ثانية سارية منذ 20 يوليو 2026، بحسب السجل الفيدرالي الأميركي.
ثم جاء 5 سبتمبر 2026 حين نشرت “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” تحقيقين منفصلين يفيدان بأن الجيش أدار برنامجاً سرياً لتطوير ذخائر الكلور واختبارها وتخزينها، وتحدثت “نيويورك تايمز” عن نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية وآلاف الرسائل النصية من هواتف ضباط كبار، وعن رسائل تتعلق بالبرهان تشير إلى علمه المباشر بالبرنامج، فيما نفى المتحدث العسكري ذلك بوصفه “لا أساس له” وهدد بمقاضاة الصحيفة.
وفي سبتمبر قدمت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق تقريرها “تغذية النزاع”، وقال رئيسها محمد شاندي عثمان لـ”سكاي نيوز عربية” إن البعثة على علم بالتقارير عن تصنيع الجيش أسلحة كيميائية بالكلور وإن هذه المزاعم يجب فحصها.
ثم جاء المجلس التنفيذي في لاهاي (6–9 أكتوبر) الذي أعلنت فيه المديرة العامة سابرينا دالافيور أن الأمانة الفنية تراقب عن كثب التقارير عن السودان، وأثارت الملف الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا وفنلندا وبلجيكا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيما قال الاتحاد الأوروبي إن المجلس أُخطر بالمسألة بموجب الفقرة 4 من المادة التاسعة من الاتفاقية.
ولا تنتهي المواعيد عند داكار (12–21 أكتوبر)، فمؤتمر الدول الأطراف (23–27 نوفمبر) المقبل ينتظر بعدها لانتخاب مقاعد المجلس التنفيذي.
فالمفوضية الأفريقية تتحرك بعد أن صارت الأدلة الصحفية والقرارات الأميركية والمواقف الأوروبية والأممية على الطاولة، وإذا لم تتحرك القارة الآن فستبدو متأخرة عن الجميع في ملف يقع في قلبها.
ما الذي ثبت حتى الآن
مما لاشك فيه أنه يوجد موقف حكومي رسمي، فالولايات المتحدة خلصت، بعد ما وصفته بتحليل فني مستقل ودقيق، إلى أن القوات المسلحة استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، وإلى أن السودان ما زال في حالة عدم امتثال، وقالت واشنطن في اجتماع المجلس التنفيذي في يوليو 2026 إن لجنة التحقيق الوطنية التي شكلتها السلطة لا تعوّض التحقق المستقل.
أما ما نُشر صحفياً في منصات إخبارية عالمية موثوقة ونُسب إلى وثائق وشهود، فهو وجود برنامج للكلور المسلح، والتخزين، والاختبارات، وعلم القيادة بذلك، كما ورد في تحقيقي “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”.
وتجدر الإشارة إلى أن “ذا ناشيونال” أوردت أن مسؤولين سابقين كباراً في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قدموا شهادات وصوراً وفيديوهات تعزز استخدام الكيماوي بين 2024 و2025.
أما مجلة “أفريكا ديفنس فورم” التابعة للقيادة الأميركية لأفريقيا فنقلت عن “واشنطن بوست” مذكرات عسكرية تتحدث عن تخزين ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، ومقاطع لاختبارات تنتج سحباً أخضر مصفراً.
وفي لاهاي ارتفعت لغة الدول بوضوح، حيث قالت ألمانيا على لسان سفيرتها غودرون لينغنر إن مؤشرات على برنامج كيميائي غير معلن قد نُشرت، وإن الاستخدام في 2024 ربما لم يكن حادثة واحدة.
وقالت بلجيكا على لسان سفيرها فوترر ديتافرنييه، في 7 أكتوبر، إن أجوبة السودان حتى الآن لا تتناسب مع خطورة الاتهامات. وهذه لغة دول ترى أن الوقت يضيق.
ما الذي يعنيه ذلك لسلطة الانقلاب؟
الأمر يمس بنية الشرعية التي تحاول سلطة الأمر الواقع بناءها. فهي تقدم نفسها دولة ذات سيادة وعضواً ملتزماً بالقانون الدولي، وتعطل في الوقت نفسه البعثات الأممية وتتعامل مع اتفاقية انضمت إليها منذ 1999 كأنها ملف تفاوضي، ومن لا يحتمل التفتيش لا يملك أن يطالب بالثقة.
وللأمر كلفة اقتصادية ملموسة، فالعقوبات الأميركية في جولتين تمس الاستيراد والتصدير والتمويل والطيران، في اقتصاد يعاني أصلاً، ويدفع ثمنها المواطن قبل قادة الجيش. وفي لاهاي تضغط معاً بريطانيا والاتحاد الأوروبي وخمس دول أعضاء، وقد بدأ الحديث عن مقعد السودان في المجلس التنفيذي، وفقدانه في نوفمبر سيكون إهانة دبلوماسية داخل الإطار الذي تدّعي السلطة الانتماء إليه.
وتبقى المسؤولية الفردية. فإذا صحت رسائل الهواتف التي تحدثت عنها “نيويورك تايمز”، فإن المسألة تتجاوز المؤسسة العسكرية إلى قمة الهرم، وبحكم قانون الحرب وقاعدة مسؤولية القيادة لا يعفي منصب القائد أحداً.
النتائج المتوقعة
من المرجح أن مجلس السلم والأمن -رغم مساره البطئ – أن يُدرج الملف في اجتماع مقبل، أو يطلب تقريراً من مفوضية الاتحاد، أو يدرس تفعيل البعثة الميدانية المقررة. وهذا يتطلب إرادة سياسية من أعضاء المجلس،
وفي لاهاي يُرجَّح التصعيد، بأن يُحال طلب التوضيح بموجب الفقرة 4 من المادة التاسعة إلى مرحلة أكثر تشدداً، وأن يطلب أحد الأعضاء تفتيشاً بالتحدي، وهي آلية تتيح للمنظمة دخول المواقع دون إمكانية رفض عملية. ومن الجدير بالذكر أن المنظمة تؤكد أن تحركها يرتبط بطلب من دولة طرف، وهذا ما بدأت الدول تفعله.
وسيكون مقعد السودان في نوفمبر أول مقياس حقيقي. فإذا عزمت المجموعة الأفريقية على عدم ترشيحه لدورة جديدة، أو رُفض تجديد مقعده، فستكون تلك أول عقوبة مؤسسية ذات دلالة، وقد يصبح مؤتمر الدول الأطراف (23–27 نوفمبر) الاختبار الأوضح لاستعداد أفريقيا لتحمل مسؤوليتها.
إن سلطة الانقلاب لم تعد تواجه اتهاماً عابراً يمكن دفنه بالبيانات، فالطوق يضيق عليها من كل جهة. القارة التي علّقت عضويتها باسم الشرعية تجلس اليوم في داكار أمام ملفها، وعواصم لاهاي تسألها عن ذخائر وبرنامج وأجوبة غائبة، وواشنطن تفرض عليها العقوبات جولة بعد جولة، ومقعدها في المجلس التنفيذي يترنح قبل أيام من مؤتمر نوفمبر. وكلما أغلقت باباً وجدت خلفه من يطرق باباً آخر.
نقلا عن “صحيح السودان”






