الحرب وضياع الكادر المدني السوداني

0

عبد العزير بخات- المحامي

اندلعت الحرب في قلب العاصمة السودانية الخرطوم في صباح السبت الخامس عشر من ابريل عام الفين وثلاثة وعشرين في واحدة من ابشع صور العنف والانهيار الشامل تمددت كالنار في الحطب لم تفرق بين مدينة واقليم ولم تترك مجالا للحياة كان الموت في كل مكان وكان الدمار لغة يومية وكان صوت الرصاص هو القانون الوحيد السائد

لم يمت السودان بالرصاص وحده بل مات حين فقد كوادره مات حين هاجر الاطباء والمعلمون والمهندسون والاداريون مات حين نزح الموظف المدني الذي كان يحمل الدولة على كتفيه بصمت ماتت المؤسسات قبل ان تهدم مبانيها لان من يشغلها غاب او شرد او قتل

الكوادر الطبية التي كانت تحرس الحياة في غرف الطوارئ والاقسام الريفية اصبحت لاجئة نازحة تبحث عن الامان بعدما كانت صمام الامان الصحي للشعب كوادر التعليم التي كانت تصنع الوعي وتبني المستقبل تفرقت في المنافي وتوقفت المدارس وتحول الجهل الى قدر يومي كوادر الزراعة التي كانت تؤمن الغذاء وتفهم الارض والمواسم انقطعت فانتشر الجوع وانهارت سلاسل الانتاج والتنمية الاجتماعية التي كانت تسند الفئات الضعيفة غابت فازدادت الهشاشة والفقر

الحياة المدنية بكل تفاصيلها انهارت الخدمات العامة توقفت المستشفيات تعطلت السجلات انقطعت الكهرباء والمياه شلت الموانئ والطرق وتعطلت الخدمات اللوجستية التي يديرها موظفون مدنيون لا صوت لهم ولا سلاح لكنهم كانوا العمود الفقري للدولة هؤلاء اليوم اما نازحون او لاجئون او عاطلون او قتلى بلا ذكر

ما يحدث في السودان ليس فقط نزاعا مسلحا بل جريمة سياسية وانسانية وقانونية ادت الى تفكيك الدولة المدنية وتجريف كادرها البشري وهو ما يشكل انتهاكا صريحا لحق الشعب في الحياة والخدمات والتنمية المستدامة السودان اليوم يدمر من الداخل بسبب حرب عبثية اشعلتها الحركة الاسلامية واعادت بها البلاد الى مربع الانهيار الشامل

المفارقة المؤلمة ان هذه الحرب انتهت فعليا من حيث الكادر العسكري نفسه لم تعد تملك ما تضيفه سوى المزيد من الخراب بينما تستمر في حصد ما تبقى من الكادر المدني الذي لا يعوض

الحسرة اننا لا نرثي فقط ضحايا بل نرثي دولة كانت قائمة بعقول وسواعد ابنائها نرثي انسانا سودانيا كان يؤدي واجبه في صمت فاصبح مشردا بلا وطن

ان اي حديث عن مستقبل السودان لا يمكن ان يتم دون وقف فوري للحرب واعادة بناء الدولة المدنية واستعادة الكوادر وحمايتها ورد الاعتبار للموظف المدني باعتباره اساس الحكم الرشيد والتنمية والسلام

هذه ليست مجرد دعوة للسلام بل نداء حزن عميق لان ما يضيع اليوم ليس وقتا فقط بل انسان ووطن كامل

نواصل بمشيئة الله

Leave A Reply

Your email address will not be published.