حسن على سنهوري
توجد فجوة هيكلية عميقة بين الإنجازات العلمية في المختبرات والواقع الميداني القاسي في السودان، وهي فجوة أعاقت عجلة التنمية الزراعية لعقود. المشكلة لا تكمن في نقص العقول أو الابتكارات، بل في “العطالة المؤسسية” التي تعجز عن تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية ملموسة. إنها قصة كنوز علمية حبيسة الأدراج، بينما يبحث عنها العالم خارجاً فلا يجد سوى الوعود.
فخ عام 2001: عندما اصطدم البريق العلمي بمرارة الواقع في عام 2001، كنت حينها مديرا تنفيذيا لشركة زراعية متخصصة. تلقينا طلباً عاجلاً من شركة ألمانية تبحث عن “طوق نجاة” لتأمين إمداداتها من البصل المجفف، إثر توقف مصنع بصل كسلا، الذي كان يغذي الأسواق الأوروبية، عن العمل. كان الطلب الألماني احترافياً ودقيقاً، وشكّل فرصة ذهبية لاستعادة الريادة السودانية في هذا القطاع.
انطلقنا في رحلة استقصائية، قادتنا السجلات البحثية إلى اكتشاف “جوهرتين” تقنيتين استنبطتهما عقول سودانية: صنفا البصل “كاملين” و”حلو”. كانت المواصفات العلمية لهذين الصنفين تبشر بتفوق عالمي في الجدوى التصنيعية. لكن هنا تجلت “صدمة الواقع”: اكتشفنا أن هذا التفوق الورقي لم يطرق أبواب قنوات التوزيع التجاري قط. وبعد بحث مضنٍ في أقاليم السودان، لم نعثر على أثر لهذين الصنفين إلا بكميات ضئيلة جداً لدى مهندس زراعي في مدينة عطبرة.
“سنحتاج من ثلاث إلى خمس سنوات لإنتاج الكمية الكافية من التقاوي التي تحتاجونها.” – هذا ما قاله المزارع المهندس الزراعي من عطبرة، مُلخصاً في جملة واحدة عمق الهوة بين الابتكار والتطبيق.
لغز “كاملين وحلو: ضريبة الزمن المفقود: قصة هذين الصنفين تتجاوز مجرد نقص البذور، لتصبح تحليلاً استراتيجياً لظاهرة “الزمن المفقود” في الاقتصاد الزراعي. عندما يطلب السوق العالمي منتجاً اليوم، وتكون إجابتنا هي “انتظروا خمس سنوات لتوفير التقاوي”، فإننا لا نفقد صفقة تجارية وحسب، بل نفقد ثقة المستثمر والقدرة التنافسية للدولة. إن الفجوة بين “المختبر” و”الحقل” هي الثقب الأسود الذي يبتلع الفرص التصديرية السودانية ويحوّل الابتكار من أصل اقتصادي إلى مجرد حبر على ورق.
رأس المال المعرفي المُهدَر: منذ إنشاء هيئة البحوث الزراعية والكليات الزراعية المتخصصة، لم يتوقف العقل السوداني عن إنتاج مئات الأصناف والحزم التقنية. لكن من منظور استراتيجي، تُعدّ المعرفة التي لا تُطبَّق «رأس مال مهدرًا» تتآكل قيمته مع مرور الزمن وتطور التكنولوجيا العالمية.
المشكلة في السودان لم تكن يومًا في «ندرة الابتكار»، بل في «فشل آليات التنفيذ والانتقال». بقاء هذه الحزم التقنية محصورًا في الأروقة الأكاديمية يعكس حالة من الانفصال بين البحث العلمي واحتياجات السوق الميدانية، مما يعني أننا نمتلك «خارطة طريق» للنجاح، لكننا نفتقر إلى «الوقود» اللازم لتحريك القاطرة.
السيادة المعرفية: تفوق التقنية الوطنية على وهم «الخبير الأجنبي». في إحدى ورش العمل الاستراتيجية، طرح خبير أمريكي مقترحًا لنقل تقنية إنتاج الطماطم كانت قد طُبقت في غرب أفريقيا، مفترضًا أنها الحل السحري للسودان. هنا، كان لزامًا علينا ممارسة «السيادة المعرفية». فبالأرقام الميدانية والبيانات الإنتاجية المسجلة في أراضينا، أثبتنا أن التقنيات السودانية المحلية تتفوق بمراحل على ما قُدِّم من «حلول مستوردة».
هذا الموقف يعزز رؤيتنا بأن «الأحدث ليس دائمًا هو الأفضل». إن الاندفاع نحو «الاستيراد المعرفي» دون تثمين للمنتج الوطني هو شكل من أشكال التبعية التنموية. ما نحتاجه هو «الاعتزاز بالمعرفة الوطنية» وتوطين الابتكار المحلي الذي أثبت كفاءته في بيئتنا الخاصة، بدلًا من الركض خلف تقنيات مُعلَّبة قد لا تناسب تربتنا أو إنساننا.
مثلث المعرفة الزراعية: نحو هيكلة جديدة للقطاع، يجب أن نتحرك وفق رؤية متكاملة تجمع أطراف «مثلث المعرفة» في السودان لإعادة صياغة مستقبلنا الزراعي.:
- المعارف الشعبية التقليدية: وهي “الرخصة الاجتماعية” والأساس التاريخي لفهم الأرض ومناخها.
- المعارف المكتسبة بالممارسة: وهي الخبرة الميدانية التي صقلها المزارعون والمهنيون في مواجهة تحديات الحقل.
- المعارف العلمية: وهي نتاج البحث العلمي في مراكز البحوث والكليات المتخصصة.
إن البدء بـ “المعارف الشعبية” ليس تراجعاً للوراء، بل هو خطوة استراتيجية لضمان “قبول” التكنولوجيا الحديثة؛ فالعلم الذي لا يحترم الموروث التقليدي لن يجد له مكاناً في يد المزارع، والتكامل بين هذه الأنواع الثلاثة هو السبيل الوحيد لبناء نهضة زراعية مستدامة.
خاتمة: تساؤل للمستقبل: إن الحل لمعضلة السودان الزراعية لا يبدأ من الخارج، بل يبدأ من “تثمين” ما هو موجود بالفعل في أدراج مراكزنا البحثية وعقول مزارعينا. نحن لا نحتاج لاختراع العجلة، بل نحتاج لبناء الجسور التي تربط الباحث بالمزارع، والمختبر بالسوق.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على طاولة القرار: إذا كانت الحلول العلمية والتقنية موجودة بالفعل بين أيدينا، فما الذي يمنعنا من تحويل القطاع الزراعي لخدمة الانسان السوداني ومن بعد ذلك يمكن ان يصبح سلة غذاء عالمية؟ هل تنقصنا الإرادة السياسية لربط هذه الحلقات، أم أننا ما زلنا ننتظر “خبيراً” آخر ليخبرنا بقيمة ما نملك؟
ابتداءً من المقالات اللاحقة، سنعمل على تسليط الضوء على مثلث المعرفة الزراعية في السودان بالتفصيل، وسنعرض رؤيتنا لكيفية الاستفادة منها في تطوير القطاع الزراعي. في المقال القادم سنبدأ بالمعارف الشعبية التقليدية، حيث تمتلك المجتمعات المحلية السودانية “تكنولوجيا شعبيّة” نضجت عبر آلاف السنين. إن هذا التراث، الذي تمتد جذوره إلى الزراعة النوبية التاريخية، ليس مجرد ذكريات من الماضي، بل هو “ابتكار مستدام” يقدم إجابات عملية. إن العودة إلى معارف الأجداد في السودان أصبحت اليوم ضرورة علمية ملحة، لإعادة اكتشاف كيف يمكن للممارسات التقليدية أن تكون هي “تكنولوجيا المستقبل” التي تضمن لنا البقا.
#مستشار التنمية الزراعية
saniali2010@gmail.com