تحليل…حتى نعرف لماذا استخدم الجيش السوداني غاز الكلور المحرم دولياً؟

0

التقرير الاستقصائي الذي نشره فريق “المراقبون” في قناة فرانس 24 يمثل مادة صحفية بالغة الأهمية والحساسية، حيث يتناول اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية “غاز الكلور” في سياق الحرب السودانية. يأتي هذا التحقيق في توقيت حرج من الصراع السوداني، ليسلط الضوء على تحول نوعي وخطير في الوسائل القتالية المستخدمة.

التقرير لا يكتفي برصد الحدث، بل يغوص في “سلسلة التوريد” Supply Chain المعقدة، محاولاً الربط بين الاستخدام المدني المشروع للمواد الكيميائية وتحويلها إلى أدوات قتل فتاكة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية دولية.

مستويات التحليل التي اتبعها التقرير

التقرير ينقسم إلى مستويين من التحليل:

المستوى الميداني: إثبات وقوع هجمات بغاز الكلور في سبتمبر 2024 بالقرب من مصفاة الجيلي، استناداً إلى مقاطع فيديو تظهر براميل تحمل أرقاماً تسلسلية محددة.

المستوى اللوجستي: تتبع التقرير رحلة الغاز من شركة “كيمتراد” الهندية إلى شركة “بورتس إنجينيرينغ” السودانية، المرتبطة بالجيش السوداني، وكشف زيف ذريعة استخدام الكلور لتنقية المياه في منطقة “طويلة”.

موثوقية التقرير

استند التقرير إلى الأدلة الرقمية OSINT، كما استخدم الأرقام التسلسلية للبراميل مثل أرقام البراميل “GC-1983-1715″؛ فسلسلة الترقيم تمنح التقرير مصداقية مادية لا تقبل التأويل.

تعدد المصادر: قاطع الفريق المعلومات بين بيانات الشحن الجمركي، وتصريحات الشركات المصدرة، وإفادات المنظمات الدولية “اليونيسف، أطباء بلا حدود”، وبيانات منظمة C4ADS.

تتبع التقرير الأموال والشركات: كشف الهيكل الإداري لشركة “بورتس إنجينيرينغ” وارتباط مديرها “عقيد بحري في الجيش أنس يونس” الذي كان يعمل بمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية تحت قيادة المدعو ميرغني إدريس سليمان، تحت كيانات اقتصادية تتبع للجيش السوداني تخضع للعقوبات الدولية باعتبارها هي “مجموعة جياد”؛ مما يعزز فرضية الاستخدام العسكري.

الربط الإنساني: إبراز المفارقة المؤلمة بين استخدام الكلور للقتل وبين حاجة 17.3 مليون سوداني للكلور لتنقية مياه الشرب ومكافحة وباء الكوليرا.

من يتحمل مسؤولية استخدام الأسلحة المحرمة دولياً؟

أولاً، القوات المسلحة السودانية: بصفتها القوة الوحيدة التي تمتلك سلاحاً جوياً قادراً على إسقاط هذه البراميل، وباعتبار أن المستورد الرسمي شركة تابعة للجيش السوداني يديرها عنصر ما زال يعمل في الخدمة العسكرية.

ثانياً، شركة “بورتس إنجينيرينغ” أو باسمها المعروف شركة الموانئ الهندسية ومديرها العقيد بحري أنس يونس ومن يقف خلفه: لتقديم مسوغات كاذبة “تنقية المياه” لاستيراد مواد مزدوجة الاستخدام وتحويلها للجهد الحربي.

ثالثاً، الشركات الوسيطة “بوند تكنولوجيز الإماراتية وكيمتراد الهندية”: وإن كانت تدعي الجهل بوجهة الاستخدام، إلا أنها تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية في “عناية الفحص” Due Diligence عند التصدير لمناطق نزاع.

مخالفة الجيش للمعاهدات الدولية

لا يعتبر هذا الهجوم مجرد “انتهاك ميداني”، بل هو خرق صريح لاتفاقيات دولية صادق عليها السودان وهي:

أولاً، بروتوكول جنيف 1925: الذي يحظر استخدام الغازات الخانقة أو السامة في الحروب.

ثانياً، اتفاقية الأسلحة الكيميائية CWC 1993 : والتي انضم السودان إليها في عام 1999، والتي بموجبها يلتزم السودان بعدم تطوير أو إنتاج أو حيازة أو تخزين أو استخدام الأسلحة الكيميائية.

ثالثاً، المسؤولية الجنائية: تحويل مادة “مزدوجة الاستخدام” “الكلور” إلى سلاح يُصنف كجريمة حرب تحت نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة وأن الهجوم نُفذ عبر إسقاط جوي عشوائي.

التحليل التقني للآثار البيئية والصحية من استخدام تلك الأسلحة

الكلور ليس مجرد غاز خانق لحظي، بل له آثار ممتدة وفقاً للآتي:

أولاً، الخصائص الكيميائية: غاز الكلور أثقل من الهواء بمقدار مرتين ونصف تقريباً، مما يعني أنه عند إسقاطه على مصفاة أو قاعدة عسكرية، فإنه يترسب في الخنادق، والأقبية، والمناطق المنخفضة؛ مما يجعله فتاكاً ضد الجنود المختبئين والمدنيين في الطوابق الأرضية.

ثانياً، التأثير على البنية التحتية: استخدامه بالقرب من “مصفاة نفط” “مصفاة الجيلي” يمثل مخاطرة كارثية؛ فالكلور عامل مؤكسد قوي جداً وقد يتفاعل مع المواد البترولية أو يسبب تآكلاً سريعاً للأنابيب والمعدات الحساسة، مما يؤدي إلى تسرب نفطي أو انفجارات ثانوية تهدد البيئة لسنوات.

لماذا استخدم الجيش السوداني السلاح المحرم دولياً؟

لماذا لجأ الجيش السوداني لاستخدام غاز الكلور بدلاً من القنابل التقليدية يعود للأسباب الآتية:

أ‌. الإنكار الممنهج: يمنح الكلور “قدرة على الإنكار” Plausible Deniability لأنه مادة مدنية موجودة بكثرة، مما يصعب إثبات الجريمة مقارنة بغاز الأعصاب “سارين مثلاً”.

ب. الأثر النفسي: استخدام الغازات يهدف إلى خلق حالة من الرعب والذعر في صفوف قوات الدعم السريع المتمرسة في حرب الشوارع، حيث لا توفر السواتر الترابية حماية من الغاز المتسلل.

تحليل شبكات الالتفاف على العقوبات التي اتبعها الجيش السوداني

يكشف التقرير عن نمط خطير في “غسيل المشتريات العسكرية” يمكن توضيحه وفقاً للأتي:

أولاً، الشركات الواجهة: استخدام شركة “بورتس إنجينيرينغ” كواجهة مدنية “تطهير المياه” هو تكتيك كلاسيكي للالتفاف على رقابة الموردين الدوليين.

ثانياً، الثغرات الإقليمية: دور الشركات يوضح كيف تُستغل “المناطق الحرة” وسلاسل التوريد المعقدة لإخفاء الوجهة النهائية للمعدات العسكرية، مما يستوجب مراجعة دولية لملفات الشركات التي تتعامل مع السودان حالياً.

المخاطر المستقبلية جراء استخدام غاز الكلور

إذا مر هذا الحادث دون ردع دولي حازم، فقد نشهدالآتي:

أولاً، تطوير الوسائل: الانتقال من “براميل الكلور بدائية الصنع” إلى غازات أكثر سمية.

ثانياً، المعاملة بالمثل: قد تحاول قوات الدعم السريع الحصول على أسلحة كيميائية أو استهداف مصانع كيميائية رداً على الهجمات، مما يحول السودان إلى بؤرة للتلوث الكيميائي.

ثالثاً، تفاقم أزمة المياه: امتناع الشركات الدولية عن تصدير الكلور للسودان خوفاً من العقوبات، مما سيؤدي فعلياً إلى توقف محطات الشرب وانتشار الكوليرا بشكل وبائي.

تقرير إدانة

يعد تحقيق فرانس 24 “وثيقة إدانة” تقنية مكتملة الأركان، تخرج بالصراع السوداني من حيز “الحرب التقليدية” إلى حيز “جرائم الحرب الكيميائية”.

إن كشف التقرير عن كيفية استغلال غطاء “تطهير المياه” لقتل المدنيين أو الخصوم يمثل ذروة المأساة السودانية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

إن هذا التقرير يتجاوز كونه سبقاً صحفياً ليكون “إنذاراً مبكراً” من كارثة إنسانية أعمق.

ويعد الصمت الدولي عن استخدام الغازات السامة في الخرطوم بمثابة منح ضوء أخضر لأطراف أخرى حول العالم لاستخدام “ستار الاحتياجات المدنية” لتنفيذ جرائم ضد الإنسانية.

نقلاً عن “صحيح السودان”

Leave A Reply

Your email address will not be published.