في هذا اليوم يستعيد السودانيون ذاكرة حية لا تنفصل عن وجدانهم الوطني حيث شكل السادس من ابريل محطة مفصلية في تاريخ النضال الشعبي السلمي حين خرجت الجماهير في كل المدن والقرى تمارس حقها المشروع في التعبير والتغيير استنادا الى مبادئ راسخة في القانون الدولي لحقوق الانسان التي تكفل حرية التجمع السلمي وحق الشعوب في تقرير مصيرها وقد جسدت ثورة ديسمبر المجيدة هذا المعنى في ابهى صوره حين تحولت الارادة الشعبية الى قوة قانونية واخلاقية وسياسية لا يمكن انكارها.
لقد كان اقتحام القيادة العامة في السادس من ابريل فعلا سلميا واعيا حمل في طياته رسالة واضحة بان الشعب هو مصدر السلطات وان الشرعية لا تستمد من فوهة البندقية بل من التفويض الشعبي الحر وقد اثبتت التجربة السودانية ان السلمية ليست ضعفا بل استراتيجية مقاومة متقدمة تستند الى الوعي الجمعي والتنظيم المجتمعي والتضامن الوطني.
من الناحية التاريخية يمثل هذا اليوم امتدادا لنضالات متراكمة خاضها الشعب السوداني منذ الاستقلال مرورا بثورتي اكتوبر وابريل وصولا الى ديسمبر حيث ظلت الجماهير تؤكد في كل مرة ان الاستبداد الى زوال وان الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على سيادة حكم القانون هي الخيار الذي لا رجعة فيه.
اما من الناحية الانسانية فقد حملت الثورة وجها مضيئا تمثل في التكافل الاجتماعي والعمل الطوعي حيث شاركت النساء والشباب والمهنيون في بناء مجتمع مقاوم يقوم على قيم العدالة والمساواة والكرامة الانسانية فكانت المتاريس رمزا للحماية وكانت الهتافات تعبيرا عن الامل وكانت الخدمة المدنية عملا ثوريا يعيد تعريف معنى الانتماء للوطن.
ورغم ما تعرض له السودان من حرب وانتهاكات جسيمة منذ عام 2023 وما نتج عنها من نزوح وتشريد ومعاناة انسانية واسعة الا ان روح الثورة لم تنكسر بل ظلت حاضرة في سلوك السودانيين في الداخل والشتات حيث استمروا في الدفاع عن قيم الحرية والسلام والعدالة باعتبارها حقوقا اصيلة غير قابلة للتنازل او المساومة.
ان السادس من ابريل يظل مناسبة وطنية لتجديد الالتزام بالمبادئ الدستورية التي تقوم على الشفافية والمساءلة وبناء مؤسسات دولة مدنية تحترم الحقوق وتصون الحريات وتحقق العدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وجبر الضرر وعدم الافلات من العقاب.
وفي هذا السياق فان الواجب الوطني يقتضي التذكير بان بناء الدولة لا يتم بالشعارات وحدها بل عبر ترسيخ سيادة القانون وتعزيز المشاركة الشعبية واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي والعمل من اجل سلام عادل وشامل يعالج جذور الازمات التاريخية.
المجد للشهداء الذين قدموا ارواحهم من اجل وطن حر والشفاء للجرحى والعودة الامنة للمفقودين والتحية لكل من تمسك بخيار السلمية طريقا للتغيير.
يبقى الوعد قائما بان السودان وطن يسع الجميع وان الثورة مستمرة في مسارها المشروع حتى تحقيق اهدافها كاملة في الحرية والسلام والعدالة وان ما بدأه الشعب في ديسمبر وتأكد في السادس من ابريل لن يتوقف ما دامت الارادة حية والذاكرة يقظة والامل متجددا في قلوب ابناء وبنات السودان.
نواصل