تحل اليوم الموافق 15 أبريل 2026 ذكرى دخول الحرب عامها الرابع، ولا يزال البعض يراوغ ويدور في مكانه، متشبثًا بدوافع ومحركات الضغينة والغشامة السياسية والاجتماعية الضيقة، رافضًا أي حل حقيقي جذري لإنهاء الحرب، وكأنما لا يعني بآثارها التي تسببت في نزوح قسري شرد حوالي 15 مليون سوداني داخل البلاد وخارجها، حيث المخيمات والمعسكرات وصعوبات الحياة في دول الجوار المستضيفة التي تعاني أصلاً بحكم واقعها من مشكلات عدة، ورغم ذلك فتحت ذراعيها في احتواء إنساني عظيم. العبث الحربي ألحق أضرارًا بالغة بالصحة النفسية والنسيج الاجتماعي والاقتصاد، بل أفرز وقسم وشتت الغالبية من التنظيمات المدنية والسياسية. العالم الحر الديمقراطي والإنساني، إن أحسنت الظن، ينظر إلينا الآن بعين الشفقة والأسى الإنسانيين، وبينما البعض للأسف يمارس الشماتة والغشامة والعنف اللفظي والمعنوي، ويدعو محرضًا إلى المزيد من الموت والقتل والتعذيب والحرمان من الخدمات، بل الترحيل القسري والحرق المعنوي والمادي لحق المواطنة في أماكن النازحين، كأنما ينتهز فرصًا تاريخية تجاه الآخر، مستغلًا عجز الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال فيما يتعلق بإدارة التنوع، والاعتراف بصناعة بناء الكراهية المقيتة والعنصرية التي تجاوزتها الإنسانية؛ وهي السلوكيات المفروضة التي صارت جزءًا من الماضي السحيق، والتي تحاول الدول والمنظمات الدولية دائمًا أن تجعلها مجرد ذكرى لا تستحق أن تُستدعى مهما كانت الأسباب والدواعي، فهي صفحة من الماضي الذي يجب ألا يُسترد أبدًا في تطور حركة الإنسانية الخلاقة، من حيث إنها لا تسرد ولا تسر ولا تستحق الإمعان إلا بأدوات الاستشراف البحثي العلمي نحو الرفاهية والعدالة والسلام.
إن استمرار عمليات القتل واللجوء والنزوح يعد استهدافًا ممنهجًا عدميًا، سواء أكان بالوكالة أم داخلي المنطلق، وسوف يكون وبالًا كبيرًا بالذات نحو الشباب السوداني طاقة وعماد المستقبل وبناء الدولة، الذين الآن بدلاً من أن يكونوا ركيزة الأمن والسلام والمواطنة، يُحرقون ويُدمرون بنيران عبثية بالمسيرات والقاذفات والرصاص، والأخطر والأعنف سلاح ثقافة الجماعة عدو الجماعة. هل الأمر هو مجرد “ركوب رأس” وغشاوة لا تستوعب ما يجري؟ الكل الآن يعلم بأن الوضع السوداني أصبح يتصدر بامتياز قائمة أسوأ كارثة إنسانية عالميًا من الجوع والنزوح واللجوء والأمراض العضوية والبيئية، وانعدام الحماية الإنسانية، وانتظام وتفشٍّ للأمراض والأوبئة التي عفا عليها الزمن في تاريخ الدراسات والأبحاث الصحية. الواقع المذري: حكومتان في وطن واحد يتدحرج نحو هاوية التمزق والانقسام، نشهد خلاله امتحانات الثانوية العامة تُعقد فقط في مناطق سيطرة “حكومة بورتسودان”، حيث أوضاع الطلاب في خيام اللجوء المهترئة والصَّدِئة وسط الأمطار والحر والإحباط، دون توفر أي مقومات بيئة إنسانية لائقة. وفي الجانب الآخر حوالي 650 ألف طالب حُرموا من الامتحان بسبب الانتماءات الإثنية، والتصنيف العرقي والمناطقي.
التقييم الحقيقي لمسار حرب السودان لا يجب أن يكون ساحة لصراع عدمي عاطفي المنطلق يُلغي العقل والتجرد نحو الوطن والحقيقة، بل يجب تجاوز العاطفية التلقائية – وهي من سمات غير العاقل – إلى رؤية موضوعية عقلانية للعاقل. إن انعقاد مؤتمر برلين في 15 أبريل 2026 ليس مجرد حدث دبلوماسي دولي عابر، بل هو أحد الفرص ربما في سبيل محاولات لبحث سبل المساعدة الإنسانية، وهو اصطفاف من المفترض أن يدفع نحو مجهود جماعي لإيقاف الحرب فورًا، وتوفير الحياة الآمنة والكريمة والصحية للمواطن السوداني بما يجعل إعادة انتظام المسألة أمرًا لا بد منه، وأحد طرق إعلاء إرادة السودانيين والسودانيات في بناء دولتهم، وتوفير ما يسد الرمق لإشباع الحاجات الأساسية، بما يساعد على مناخ الجدل الاجتماعي وطرق الحل، ويعزز الولاء السوداني باستكمال الوجدان المشترك، وإقرار الدستور الدائم الذي يعمل على استرداد السلطة المدنية الديمقراطية. قيم الوطنية تجبر على الالتزام بالشروط، وهي:
إذا عجزنا عن حفظ خلافاتنا المهلكة والمستنزفة – بسبب المحاكاة الإثنية والعرقية المستترة بغطاء وهمي لأطراف الحرب – رجاءً لا نصدرها للخارج، للآخر العالم الإقليمي والدولي الذي يحاول إيجاد مخرج للأزمة، والتي بالتأكيد لها آثارها بحكم الموقع الجيواستراتيجي، التي لها ما بعدها إقليميًا ودوليًا. ستظل الأزمة المازومة أزمتنا الخاصة أولاً، ولكن للأسف يصر آخرون وفقًا لعداء مستحكم وصغير الرؤية من بني جلدتنا على استمراء السلوك الهمجي والغوغائي. هناك حيث يتواجدون هربًا وخوفا من الحرب في بلدان أوروبا وأمريكا بلاد الحريات المدنية والصقيع الذي جمد مشاعرهم وحسهم الوطني، يكتسبون ويتسكعون على فقه الكارثة، ولا يتعلمون بالعيش في تلك الدول من ثقافة وممارسة قيم المدنية والإنسانية الاختيارية المكتسبة في مقابل الوراثي صاحب العصب. نضال الشعب السوداني سيستمر وسينتصر لا محالة، ولن تسكته تصرفات أدعياء ومناصري الحروب، لأن إرادة الحياة الحرة هي ضمير ووعي السودانيين والسودانيات.
-أستاذ جامعي