رسالة مفتوحة إلى التيار الوطني العريض الذي يشكل ثوار ديسمبر المجيدة :
على وجه الخصوص الذين تحولوا الي دولجية محافظين يساندون الجيش على علاته بدون تحفظ...
عمر البشاري
فمنذ تراجع آمال ديسمبر، لم يعد ما بيننا مجرد اختلاف في الرأي، بل انقسام حاد في الموقف فأنتم اخترتم بوضوح أن تكونوا في صف بقاء الدولة كما هي ودفعكم ذلك إلى حضن اعدائنا المشتركين الكيزان والأجهزة الأمنية والعسكرية ، حتى لو كان الثمن استمرارا للظلم وتأجيل للعدالة وهي أشرف وانبل ما جمعنا بكم عبر ديسمبر المجيدة بل ابعد من ذلك ربما تبريرها.
فبالنسبة لي موقفكم هذا خروج على مبدأ الثورة والتغيير ،وقد أفلح الفزع الذي اطلقته الثورة المضادة عبر قدحها شرارة حرب 15 أبريل والقساوة والعنف وانتهاك الحقوق الآدمية والحرمات الذي صاحبها في دفعكم إلى الأرتماء رهائنا بين أيدي الكيزان تحت وطأة الرعب والخوف الذي قتل التطلع إلى الحرية والسلام والعدالة في أرواحكم ودفع بكم إلى التراجع من ثوار يبحثون عن المستقبل والتغيير إلى محافظين مرعوبين مهلوعين ينشدون الأمن فقط والاستقرار أولًا… مهما كان شكله… وبأي ثمن ولو اقتضى الأمر بكم الانحدار إلى مستوى الحياة في ظل دولة يشبه نظامها المتخيل حال مزرعة الحيوان في رواية جورج اورويل الشهيرة والتي تحمل نفس العنوان حيث ارتكزت الحياة الاجتماعية والسياسية على قوائم أربع هي :-
• السيطرة على الحقيقة عبر تزوير التاريخ
• مراقبة الأفراد بشكل كامل
• قمع اللغة والتفكير (مثل “اللغة الجديدة”)
• تحويل الخوف إلى أداة حكم.
واجمالا ضعف مواقفكم يكمن عندي في التناقض الفاضح في الدفاع عن دولة تلتهم نفسها عبر تذكية القتلة ومنحهم المال والسلاح والحصانات واستقلال الإرادة والقرار عبر ذات الدرب الذي أوجد الدعم السريع كخطر أعظم يتهدد وجودها وذلك برعاية المليشيات التي يمكن أن تؤول إلى جماعات مارقة متفلتة لا تختلف في جوهرها ومنطق تكوينها عن الدعم السريع الذي تحاربون.
وتكونون بذلك (لا رحتم ولا جئتم) بل انقلبتم على اعقابكم ساقية لجحا السياسة والاجتماع في بلدي المنكوب بأيدي بنيه تأخذ من بحر الطغيان وهو اصل الفساد والحروب والشرور تأخذ منه بيد وتصب فيه بالأخرى.
أنا على النقيض تماماً لا أرى أي قيمة لبقاء دولة تقوم — في نظري — على القهر والتدجين والانحدار بالبشر إلى مستوى الحيوان
.والديمقراطية عندي لا تنفصل عن العدالة، وإذا كان الطريق إليهما يمر عبر تفكك هذا الواقع بالكامل، فأنا مستعد لدفع هذا التناقض إلى نهايته، حتى لو أدى إلى انهيار الدولة نفسها. ببساطة: لا أخشى زوال ما لا أرى فيه عدلاً، ولا أتمسك بما لم يعد يعني لي شيئا
..بل بالعكس بات أقرب إلى صخرة سيزيف في أسطورة اليونان يحملها إلى مستقر لها في العلالي فتأبى إلا الانحدار متحدرجة إلى قاع سحيق… فيعاود الكرة في لعنة أبدية تتكرر ولا تنتهي..
واذا كانت الصخرة لسيزيف (Sisyphus) في الأساطير اليونانية قهراً وتأديب لملك ماكر تحدّى الآلهة وخدعها أكثر من مرة، فقررت معاقبته بعقاب أبدي.
فلماذا نحن مرغمون على عبادة دولة فاسدة والخضوع لحكمها على سيزيفنا المعاصر الذي يرواغ دوما ويرفض أن يستجيب لقدره في المضي قدما نحو سبيل السلام والحرية والعدالة والوحدة؟
ولماذا لا نرغم سيزيفنا اللعين (النخب السياسية والعسكرية السودانية ) على أن يقوم بتأدية فرضه تجاه عيون حسناء الحرية في السودان والتي تغنى لها الراحلان المبدعان أبو ذر الغفاري الذي اخفاه القوم منذ مطلع وصولهم إلى السلطة في 1989 ( لأن وجوده المبدع يغض مضاجعهم ويهدد سلطتهم )ومعه مصطفى سيد أحمد في الأداء عندما قالا في كلمات تلك الأغنية الجوهرة :
في عيونك ضجة الشوق والهواجس
ريحة الموج البنحلم
فوقا بى جية النوارس
ياما شان زفة خريفك
كل عاشق أدى فرضو
إلى أن يقول:-
نشتهيك ياما نحلم
نحكى ليك عن المسافة
وعن سفن بالشوق بترسم
فى بحيراتك ضفافها
عن ملامح غنوة طلت
فى عويناتك هتافها
وعن حقيقة نهاتى بيها
فى أساطير الخرافة
ويختمها بأروع ما يكون الإبداع عندما تقترن الفكرة الحقة بالفطرة الخيرة السليمة والذوق الفني الرفيع وجمال الروح عندما يستبشر قائلا :-
يا غنانا المشتهنو
يانى موعود بزمانه
بى مواقيته البرنو
بإرتعاش صرخة وجودك
يوم يطل ميلادى منو
لما إتوسد صباحك
يا تو ليل يفصلنى عنو
واطلت ديسمبر بصباحها الباهي الذي بشرنا به الأخيار مصطفى والغفاري
فهل ما زال بإلامكان أن نتوسد
صباح تلك النبوة البشرى المشرقة لتكون لنا زادا للحرص على بناء دولة تجمع شعثنا رغم التناقضات الجذرية في المواقف الحالية التي بدت وفرقت بيننا !!؟
وهل رغم كل شيء، ما زلنا متمسكين بفكرة ما اسمها “وطن”، واحد كلٌّ يراها بطريقته؟أم أن المسألة باتت أكبر من ذلك وتحتاج تكرار جراحة الفصل التي جربناها وما نجحت في الجنوب ويصعب ويستحيل نجاحها
لو كررناها تارة وأخرى ومن جرب المجرب حاق به الندم ..
وهل نطمع في أن تنجلي غشاوة الخوف وفزع النفوس الذي أودعته الحرب حياتنا وفرق شملنا وشتت وحدتنا وذهب بقوتنا كطليعة مدنية واعية تحلم بالوحدة والعدالة والحرية والسلام.. وكل الجمال الذي فاض به إبداع مصطفى والغفاري على روحيهما شآبيب من رحمة وسلام ولهما الغفران… و مستقرا في علياء الجنان..
ويعود إلينا الوعي بقيم ديسمبر المجيدة ومعه روحها العذبة الذكية التي تعرف ما تريد وتختار دروب الحق والخير والجمال بلا تشويش ولا صخب ولا ضجيج مهتدية بأرث ماض تليد متجذر في أعماق التاريخ…مترعا بالحب والسعي نحو الكمال… لست أدري ولست متأكد من شيء بعد ما مررنا به من أهوال تشيب لها الولدان.
عمر البشاري