
الاستهلال: التنمية الزراعية كفلسفة لبناء السلام
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
لا تقتصر الزراعة في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات على كونها نشاطاً تقنياً لإنتاج المحاصيل، بل هي “فعل سيادي” يمس جوهر شرعية الدولة، وإطار استراتيجي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وصمام أمان يمنع الانزلاق نحو دوامات العنف. وتتبنى هذه الرؤية التنمية الريفية وسيلةً منهجية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي وترسيخ الاستقرار الاقتصادي من القاعدة إلى القمة.
يأتي هذا الطرح استكمالاً وتطويراً لما أسسنا له في مؤلفنا السابق «التنمية الزراعية من أجل السلام في السودان»؛ فبينما وضع العمل الأول القاعدة المفاهيمية والتجريبية، يرسم هذا العمل الإطار النظري والتطبيقي الموسع، واضعاً مبادئ الاستثمار المسؤول في قلب سياسات الإعمار. إن الطريق نحو مستقبل مستقر يبدأ بالتخلي عن أوهام “سلام القصور” في العاصمة والالتفات إلى “صراعات الحقول” في الأطراف، ففهم ديناميكيات الصراع هو الخطوة الأولى لرسم خارطة طريق تنموية تتجاوز الحلول المسكنة.
تشريح دورة حياة الصراع: الحالة السودانية كنموذج تحليلي
إن فهم “ديناميكيات النزاع” طوق نجاة لصناع القرار، فالحرب سيرورة متدرجة تتغذى على المظالم الهيكلية وليست مجرد انفجار مفاجئ. وفي الحالة السودانية، يمكن رصد هذه الدورة في ثلاث مراحل مفصلية:
أولاً، مرحلة ما قبل الصراع (الصراع الكامن): وهي مرحلة “الإنذار المبكر” حيث تراكمت التوترات تحت الرماد. وقد كشف التحليل التاريخي عن “انحياز مؤسسي” صارخ، إذ استحوذت الزراعة المروية في المركز على 60% من الدعم الحكومي مقابل 10% فقط للقطاع المطري في الأطراف (دارفور، كردفان، والنيل الأزرق). هذا الخلل لم يكن مجرد فجوة اقتصادية، بل كان “تأصيلاً للمظلومية” جعل من الصراع المسلح أداة لتغيير هيكل توزيع الثروة، لا سيما مع فشل الحلول السياسية التي اختزلت السلام في “محاصصة” بين النخب وتجاهلت الجذور البنيوية للأزمة في الحقول.
ثانيا: مرحلة الصراع النشط (ذروة العاصفة): وهي الواقع المرير الذي يعيشه السودان منذ 15 أبريل، حيث بلغت الحرب ذروتها بـ “عسكرة الحرفة“؛ إذ أدى النزوح القسري لحوالي 6.6 مليون مزارع إلى خروج مساحات شاسعة من الإنتاج، تزامناً مع انهيار المؤسسات وبروز “اقتصاد الحرب” الذي يقتات على تدمير سبل العيش.
ثالثا: مرحلة ما بعد الصراع (فرصة الميلاد الجديد): هي المرحلة الأكثر تعقيداً، حيث تتصاعد مخاطر الانتكاس وضعف الثقة. وهنا تبرز الحاجة لتحويل الإعمار من مجرد “توقف للقتال” إلى “إعادة ميلاد” للدولة عبر بوابة الإنتاج الزراعي.
إن الانتقال من الحرب إلى السلام المستدام يتطلب تحولاً جذرياً في مفاهيم إعادة الإعمار، بحيث تصبح الزراعة هي المحرك لاستعادة ثقة المواطن في دولته.
المنطلقات المفاهيمية والتحول الراديكالي في استراتيجيات الإعمار
تشير الإحصاءات إلى أن 90% من ضحايا الحروب المعاصرة هم من المدنيين، مما يفرض ضرورة تبني نهج إعماري يرتكز على البعد الإنساني لا الجانب الهندسي فحسب؛ فالهدف يتجاوز مجرد الإصلاح المادي ليصبح استثماراً استراتيجياً لاستعادة كرامة الإنسان. وفيما يلي مقارنة بين نهجين متباينين:
أولاً، المنظور التقليدي للإعمار: يهدف إلى استعادة وضع ما قبل الحرب عبر التركيز على البنية المادية (الأسمنت والحديد)، ويعد استجابة تقنية وفنية قصيرة المدى للأعراض الخدمية والمادية.
ثانياً، المنظور التنموي المستدام (التحولي): يهدف إلى بناء مؤسسات جديدة ومعالجة جذور النزاع من خلال إصلاح الهياكل الاجتماعية والسياسية والتشريعية عبر استراتيجية بعيدة المدى تعتمد مفهوم ‘الترابط الثلاثي’ (Triple Nexus) الذي يدمج العمل الإنساني العاجل بالتنمية وبناء السلام، محذرين في الوقت ذاته من معضلة ‘أمننة التنمية’؛ إذ إن توجيه الموارد للأجهزة الأمنية خلال فترة إعادة الإعمار مع إهمال التنمية القاعدية يؤدي إلى نشوء ‘دولة قمعية هشة’ تفتقر للشرعية الشعبية. وتعد الزراعة هي الترياق الأمثل لهذه المعضلة، لكونها توفر ‘شرعية شعبية’ من القاعدة، مما يقلل الحاجة إلى تضخم الأجهزة الأمنية.
لماذا الزراعة؟ تقييم المزايا النسبية والأثر الاستراتيجي
تُعدّ الزراعة ركيزة أساسية وضرورة وجودية لعملية إعادة الإعمار، نظراً لقدرتها الفائقة على تفكيك جذور الصراعات التاريخية من خلال:
أولاً، معالجة الاختلالات الهيكلية عبر توجيه الاستثمارات نحو المناطق المهمشة، وتسوية قضايا حيازة الأراضي، وضمان الحقوق التاريخية للمجتمعات في مواردها.
ثانياً، تعزيز السلم المجتمعي بتحويل المشاريع الزراعية إلى منصات تعاون تعيد صياغة العقد الاجتماعي؛ حيث يحل التكامل الاقتصادي محل الصدام، وتتحول الحقول إلى ميادين للإنتاج المشترك.
ثالثاً، تحقيق الاستقرار الديموغرافي والاقتصادي عبر دمج المقاتلين السابقين في سلاسل القيمة الزراعية، مما يعزز استقرار المجتمعات الريفية ويحول دون تجدد العنف.
رابعاً، ترسيخ الأمن الغذائي كخط دفاع أول؛ ففي ظل تدمير نحو 40% من طاقة مطاحن القمح، تصبح الزراعة ضمانة سيادية تحمي السكان من المجاعة، وهو أساس لا غنى عنه لأي استقرار سياسي أو مؤسسي.
وتتجلى فاعلية الاستثمار في هذا القطاع، لا سيما لدعم صغار المنتجين، في سرعة أثره؛ إذ لا يتطلب بنية تحتية معقدة في مراحله الأولى، بل تكفي تدخلات بسيطة كالبذور والأدوات والري لتحقيق نتائج ملموسة في موسم واحد. إن الاعتماد على الموارد الذاتية هو المسار الوحيد لامتلاك القرار الوطني والتحرر من فخ الارتهان للمساعدات الخارجية المشروطة، مما يجعل الزراعة محركاً أساسياً لإطلاق الطاقات الاقتصادية وتكريس الحكم الرشيد.
ختاماً، يمثل الاستثمار في الزراعة قراراً استراتيجياً يمس صميم الأمن القومي؛ فتحويلها من ساحة للنزاع إلى ركيزة للإعمار هو الضمانة الأكيدة لكسر حلقة الحروب المتكررة.
يمثل هذا المقال حجر الزاوية وافتتاحية لسلسلة من عشر مقالات ستتناول بالتفصيل السياسات والحلول التطبيقية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع معاش، سعياً نحو سودان مستقر وعادل ومزدهر.
saniali2010@gmail.com







