الخماسية تفجّر خلافًا علنيًا داخل الكتلة الديمقراطية في السودان بعد انفتاح البرهان

0

يبدو أن الخلاف الذي انفجر داخل الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية لم يكن مجرد اختلاف عابر حول اجتماع سياسي، بل مؤشر جديد على هشاشة التحالفات التي تشكّلت في سنوات الحرب، وعلى عمق الانقسام داخل القوى التي يفترض أن تكون جزءًا من أي مسار سياسي مقبل. وما يجعل هذا التطور لافتًا هو أنه جاء في لحظة تحاول فيها الآلية الخماسية إعادة تجميع الأطراف السودانية حول مسودة خارطة طريق جديدة، بينما تتسع الفجوة بين مكوّنات الكتلة نفسها حول من يملك حق التمثيل ومن يملك حق التحدث باسمها.

فقد برزت الخلافات إلى العلن بعد لقاء عقدته مجموعات من داخل الكتلة مع الآلية الخماسية في أديس أبابا، وهو لقاء كان يفترض أن يعكس استعداد القوى السياسية للانخراط في مشاورات حول مستقبل الحكم، لكنه تحول سريعًا إلى ساحة اتهامات متبادلة. فالمتحدث باسم الكتلة، جمعة الوكيل، سارع إلى نفي أي صلة للكتلة بالوفد الذي شارك في الاجتماع، مؤكدًا أن “الكتلة لم تشارك في اللقاء ولم ترسل وفداً يمثلها”، وأن أي حضور تم “بصفة شخصية أو تنظيمية لا علاقة لها بالموقف الرسمي”. هذا النفي الصارم لم يكن مجرد توضيح إجرائي، بل تعبير عن أزمة ثقة داخلية، خاصة أن عددًا من الشخصيات البارزة في الكتلة كان موجودًا بالفعل في أديس أبابا.

وتعقّد المشهد أكثر حين أصدر المتحدث الآخر باسم الكتلة، محمد زكريا، بيانًا مضادًا قال فيه إن تصريحات الوكيل “لا تعبر عن إجماع الكتلة”، وإن الموقف الرسمي سيصدر لاحقًا بعد اجتماع الهياكل المختصة. هذا التناقض بين متحدثين رسميين يعكس حالة من الارتباك التنظيمي، ويطرح أسئلة حول من يملك القرار داخل الكتلة، خاصة أنها تضم جماعات مسلحة مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، إضافة إلى قوى سياسية تقليدية مثل الحزب الاتحادي الديمقراطي – جناح جعفر الميرغني.

ويأتي هذا الخلاف الداخلي في وقت حساس، إذ تشير تصريحات المستشار الأمريكي مسعد بولس إلى أن رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، أبدى انفتاحًا على مسودة خارطة الطريق التي تعمل عليها الآلية الخماسية بالتنسيق مع الرباعية الدولية. هذا الانفتاح، إن صح، يضع القوى السياسية أمام اختبار جديد: هل تستطيع تقديم موقف موحد تجاه عملية سياسية قد تعيد تشكيل المشهد بالكامل، أم أن الانقسامات ستقوّض قدرتها على التأثير في مسار الأحداث؟

وتحاول الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وإيقاد، الدفع نحو هدنة إنسانية خلال شهر رمضان، محذّرة من أن استمرار القتال “يفاقم المخاطر على المدنيين ويقوّض إيصال المساعدات”. وتشير تقاريرها إلى تدهور سريع في الوضع الإنساني، مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والحصار المفروض على مناطق مأهولة، خصوصًا في كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى استهداف منشآت مدنية وهجمات على قوافل الإغاثة.

وتعيد هذه التحذيرات التذكير بأن الأزمة السياسية ليست منفصلة عن الواقع الميداني، وأن أي خلاف داخل القوى المدنية ينعكس مباشرة على قدرة المجتمع الدولي على دفع الأطراف نحو وقف القتال. كما أن تجاهل التحذيرات السابقة بشأن الفاشر، كما تقول الآلية، أدى إلى “خسائر كبيرة في الأرواح”، ما يجعل الحاجة إلى موقف سياسي موحد أكثر إلحاحًا.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الخلافات داخل الكتلة الديمقراطية أكثر من مجرد صراع على التمثيل؛ إنها تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بغياب رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، وبعجز القوى السياسية عن تجاوز الحسابات الضيقة في لحظة تتطلب أعلى درجات المسؤولية. فبينما تتحدث الآلية الخماسية عن ضرورة “عملية سياسية يقودها السودانيون”، تكشف الوقائع أن السودانيين أنفسهم ما زالوا يبحثون عن صيغة للاتفاق داخل معسكراتهم قبل الجلوس إلى طاولة واحدة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.